أبعاد التصعيد الدبلوماسي بين موسكو ولندن

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمام البرلمان في 14 مارس عن حزمة من العقوبات ضد روسيا على خلفية اتهام موسكو بمحاولة اغتيال الجاسوس المزدوج سيرجي فيكتوروفيتش سكريبال بغاز الأعصاب (4 مارس 2018)، وعلى الرغم من التصريحات الشديدة التي أطلقتها ماي؛ إلا أنها تدرك عجزها عن القيام بأية إجراءات فعلية في حال قرر بوتين الرد، مما دفعها للاكفتاء بطرد 23 دبلوماسياً روسيا بحجة أنهم “عملاء مستترون” وزادت من وتيرة عمليات التفتيش على الطرود والبضائع القادمة من روسيا، لكنها امتنعت عن اتخاذ الخطوة الموجعة المتمثلة في مقاطعة كأس العالم بموسكو، معلنة أن العائلة المالكة والمسؤولين البريطانيين لن يحضروا المناسبة.
ومن المستبعد أن يصمت بوتين بعد أن اتهمتهة وسائل الإعلام في أرجاء العالم بجرم شن هجوم كيميائي على أراضي إحدى الدول الأوروبية، وتشبيهه بالديكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون الذي قتل أخاه غير الشقيق في مطار كوالا لامبور بغاز الأعصاب.
وعلى الأرجح فقد قررت ماي أن تعلن عن اتهاماتها لموسكو بعد أن اكتشف جهاز الاستخبارات البريطاني العملاء المشتبهين بمحاولة اغتيال الجاسوس الروسي مما أعاد للأذهان قيام عميلين من الاستخبارات الروسية بتسميم العميل الروسي أليكساندر ليتفينكو بالبلوتونيوم المشع-210 عام 2006.
جدير بالذكر أن لندن تمثل وطناً ثانياً لجالية روسية ثرية متنفذة مقربة من بوتين أبرز شخصياتها: رومان أبراموفيتش، وأليشار أوسمانوف، وأوليغا ديربيسكا، وإيوجين شفيدلر، وفلاديمير مخالي، ويلينا باتولاينا؛ وقد نُشر الكثير حول ثروات هذه النخبة، ومما لا شك فيه أن صداقتهم مع بوتين تعتبر السبب الرئيس لتكدس ثرواتهم ولابد أن له حصة من تلك الأرصدة المودعة في البنوك البريطانية.
كما يقيم في العاصمة البريطانية عدد من معارضي بوتين، ومن بينهم: بوريس بيرزوفسكي الذي عثر عليه مشنوقاً في منزله خارج لندن في مارس 2013 بعد أن خسر دعوة قضائية بقيمة ثلاث مليارات جنيه ضد أبراموفيتش حول ملكية شركة “سيب نفط”، ومساعده نيكولاي غلشكوف، الذي كان بمثابة يده اليمنى والمدير السابق لشركة الطيران المملوكة من الحكومة الروسية “إيروفلوت”، والذي عثر عليه ميتاً في منزله مع وجود أثار الخنق على رقبته بعد ثمانية أيام من الهجوم على “سكريبال”.
وتقيم فئة ثالثة من الروس في لندن تتكون من جواسيس سابقين لا يزال بعضهم نشطاً، وربما انكشف الكثير منهم لدى أجهزة الأمن البريطانية، ويجني العديد منهم المال من خلال العمل لصالح المناوئين لبوتين وللطبقة الأوليغارية النخبوية في العاصمة البريطانية.
وإذا تعالت وتيرة التصعيد بين لندن وموسكو؛ فقد تلجأ ماي إلى تجميد الأموال الروسية المودعة في لندن خصوصاً وأن هنالك من يطالب بالانتقام من عملية تسميم العميل الروسي، لكن حينما يتعلق الأمر بالحرب الاقتصادية فإن لموسكو اليد الطولى وستجد بريطانيا نفسها معزولة نتيجة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولن تتمكن بريطانيا من المغامرة بخسارة الأسواق الروسية في هذا الوقت، ومن الممكن أن يرد بوتين من خلال تأميم شركة “روسنفت” التي تمتلك شركة “بريتش بيتروليوم” البريطانية 20% من أسهمها.
وعلى الرغم من قيام واشنطن بطرد 48 دبلوماسياً روسياً و12 موظفاً من البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة وإغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وطرد بولندا وألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي دبلوماسيين روس؛ إلا أن الاستخبارات الروسية تُعدّ العدة لمواجهة مع الاستخبارات البريطانية الداخلية “إم آي-5″، والخارجية “إم آي-6″، حيث ينوي بوتين الانتقام من خلال الكشف عن هوية ضباط الاستخبارات البريطانية والبدء بمواجهة استخبارية معهم؛ حيث ذكرت إحدى الصحف البريطانية “بأن الكشف عن العملاء البريطانيين قد يبدأ بأولئك الذين يعملون لصالح الاستخبارت الخارجية البريطانية، مما يعرض حياتهم للخطر ويضعهم أمام هجمات استخباراتية، وقد يتبع بوتين ذلك الإجراء باستهداف المصادر الاستخبارية البريطانية في الشرق الأوسط.
وتربط بعض المصادر الكشف عن تسريب ملايين حسابات فيسبوك التي حصلت عليها شركة “كامبريج أناليتكا” البريطانية، في أكبر خرق للبيانات على الإطلاق، بالحرب الاستخباراتية الروسية التي يتوقع أن تتصاعد في الأيام المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018