أمريكا لا تزال غير جادة في إضعاف إيران

تتحدث مصادر أمنية مطلعة عن تبني الإدارة الأمريكية توجهات دبلوماسية مغايرة لمواقفها التصعيدية المعلنة إزاء طهران، حيث ظهرات أول بوادر التردد الأمريكي على لسان المتحدث باسم مجلس النواب الأمريكي بول راين الذي أكد أن الرئيس ترامب قد قرر عدم إلغاء الاتفاق النووي وأنه يعتقد أن وجود اتفاق سيء أفضل من عدم وجود اتفاق على الإطلاق.

وعلى الرغم من التقاط أقمار التجسس الأمريكية صوراً لنصب الإيرانيين صاروخ “سفير” القادر على حمل أقمار صناعية إلى الفضاء الخارجي وإطلاق الحرس الثوري صاروخ “سكود” يصل مداه 800 كم من اليمن ضد قاعدة عسكرية سعودية تقع بالقرب من المزاحمية القريبة من الرياض؛ إلا أن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بقي بارداً، وقال إنه لا يرى ضرورة لزيادة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وأن هذا الأمر غير مطروح في الوقت الحالي.

وتشير مصادر أمنية مطلعة إلى أن كبار مستشاري القيادتين (الأمريكية والإيرانية) يعملون على إطفاء لهيب الحرب الكلامية بين البلدين، وتهدئة الخواطر بين واشنطن وطهران، خاصة وأن الإيرانيين يدركون أنه ليس في وارد حسابات ترامب اتخاذ خطوات عسكرية ضد بلادهم، كما أن العقوبات التي تم فرضها على 25 شخصاً ومؤسسة إيرانية لا تشكل نكسة بالنسبة للاقتصاد الإيراني أو للبرنامج الصاروخي، بل إن الولايات المتحدة لم تفكر حتى الآن في إلغاء صفقة بيع طائرات بوينغ المدنية البالغ قيمتها ست عشر مليار دولار لإيران.

ويأتي البرود الأمريكي تجاه المواقف الإيرانية المتشددة من إدراك مستشاري ترامب أن العودة لنظام العقوبات السابق لن ينفع لأن روسيا والصين والاتحاد الأوروبي لن يوافقوا على ذلك، وسيكون الحظر الاقتصادي الأمريكي غير مجدٍ في ظل إعلان وكالة الطاقة الذرية أن إيران قد التزمت بالاتفاقية النووية التي وقعتها مع مجموعة خمسة زائد واحد وأن برنامجها الصاروخي لا ينتهك الاتفاقية.

أما على الصعيد الميداني فقد اشارت مصادر أمنية إلى أنه في الوقت الذي هدد فيه الرئيس ترامب بتصنيف الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس كمنظمات إرهابية؛ كان القادة الأمريكيون يتشاركون مع نظرائهم الإيرانيين مقرات القيادة العسكرية في العراق، حيث يستمر التنسيق بين الطرفين في تنفيذ العمليات العسكرية وتبني تكتيكات مشتركة ضد تنظيم “داعش” كما لو أن شيئاً لم يتغير في واشنطن وكما لو أن سياسة أوباما الداعمة لإيران لازالت ماضية على أرض الواقع.

وتتحدث المصادر نفسها عن استمرار التعاون الأمريكي-الإيراني بصورة فاقعة في تلعفر حيث تخوض ميليشيات الحشد الشعبي قتالاً لعزل البلدة وقطع طرق إمداد تنظيم الدولة المتجهة من الموصل إلى قواته في سوريا، وذلك بالتعاون مع مبعوث أوباما الخاص مكغوريك والجنرال ستيفن تاونسيد قائد القوات الأمريكية في العراق وسوريا اللذان لا زالا يقودان عمليات تلعفر، حيث ينخرط حوالي خمس عشرة ألف عنصر من مليشيات الحشد الشعبي التي يقدر عددها بمئة وعشرين ألف في عملية السيطرة على غرب الموصل بقيادة أبو مهدي المهندس قائد مليشيا “حزب الله” العراقي ونائب قائد الحشد الشعبي الذي صنفته وزارة الخزانة الأمريكية كمنظمة إرهابية وبنفس الوقت فإن المهندس يُعتبر المستشار الأعلى لقاسم سليماني وبذلك فإنه لا يمكن تجنب التعامل معه في سياق العمليات الإيرانية الأمريكية في الميدان.

ورأت المصادر أن هذا التعاون هو ثمرة قرار إدارة أوباما “إهداء” طهران تلعفر من خلال إلحاق الضباط الأمريكيين بمراكز قيادة القوات الإيرانية والقوات الموالية لها التي لديها صلاحية الموافقة أو الاعتراض على كافة العمليات العسكرية، والموافقة على منح هذه القوات الإسناد الجوي والمدفعي الأمريكي الذي لا يزال مستمراً، وكان أوباما قد أوعز إلى القيادة العسكرية الأمريكية بمساعدة الإيرانيين في السيطرة على الحدود الإيرانية-العراقية وبسط سيطرتهم على أهم جسر بري تسعى طهران لمده من إيران للمتوسط مروراً بالعراق.

وتماشياً مع هذه السياسة  فإن الضباط الأمريكيين في العراق يتعاونون مع مليشيا بدر التي يترأسها هادي العامري، حيث يقيم مكغورك وتاونسند علاقات وثيقة معه ويعملان عن كثب مع المليشيات الموالية لإيران ومع قادة فيلق القدس في العمليات شمال العراق.

وفي ظل الإحباط الذي تشعر به السعودية من تردد الولايات المتحدة الأمريكية إزاء إيران، تحدث تقرير “ديبكا” الاستخباراتي (24 فبراير 2017) عن زيارة غير مسبوقة قام بها رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان لكل من تل أبيب ورام الله استغرقت يومين (20-21 فبراير 2017)، أوصل من خلالها تحذيراً للسلطة الفلسطينية عبر مدير الاستخبارات الفلسطينة ماجد فراج بضرورة  التراجع عن خطوط التواصل المباشرة التي فتحتها السلطة مع طهران.

وأشار التقرير إلى أن الوجهة الرئيسة للمسؤول السعودي كانت تل أبيب التي وصلها برفقة وفد أمني رفيع المستوى حيث تم استقبالهم من قبل قائد أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال غادي إيزنكوت وقائد سلاح الجو ميئيرإيشيل وقائد البحرية الأدميرال رام روتبيرغ ورئيس الاستخبارات العسكرية  هيرتز هالافي ومدير جهاز الشينبيت ناداف أرغامان كما قابل الوفد السعودي رئيس الموساد يوسي كوهين، ودار الحديث بين الجانبين حول سبل التعامل مع خطط طهران لإنشاء جبهة شيعية عسكرية مع العراق وسوريا ولبنان تحت سيطرة “حزب الله” اللبناني، وإمكانية تقديم معلومات استخباراتية للرئيس الروسي لإقناعة  بقطع علاقاته مع طهران مقابل إنشاء تحالف عسكري بديل يضم السعودية والإمارات والأردن ومصر.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018