احتدام الصراع على موارد الطاقة في سوريا

دفع الهجوم المباغت لقوات النظام على دير الزور من محور اللواء 137،بالولايات المتحدة وحلفائها في “قوات سوريا الديمقراطية” للبدء في عملية عسكرية من الجهة الشمالية، حيث يسود الاعتقاد في واشنطن أن دخول جيش النظام حقل “التيم” الذي يعد أقدم حقول النفط المستثمرة بدير الزور، يأتي ضمن إستراتيجية موسكو للسيطرة على أغنى بقاع سوريا بالنفط والغاز.

وعلى إثر ذلك بادرت قوات “قسد” إلى التقدم باتجاه حقل العمر وحقل كونوكو، وحاولت إعاقة تقدم قوات النظام إلى الضفة الأخرى من نهر الفرات لكن التحذير الروسي شديد اللهجة لواشنطن ردع تلك القوات.

وتشير المصادر إلى أن أستانة (6) قد أبعد فصائل المعارضة عن معركة الاستحواذ على موارد الطاقة، وأشعل التنافس بين قوات النظام المدعومة من قبل روسيا، وبين “قسد” المدعومة من قبل الولايات المتحدة للسيطرة على نحو أربعين حقلاً للنفط والغاز أبرزها: الرميلان، والشدادي، وجبسة، والسويدية، كما سيطرت قوات المارينز في الآونة الأخيرة على حقل “كونوكو” للغاز في ريف دير الزور، وهو من أكبر حقول الغاز في سوريا، حيث يُعتقد أن محافظة دير الزور تضم أكثر من سبعين بالمائة من مصادر الطاقة في سوريا، كما تسيطر واشنطن على سدود المياه الكبرى في البلاد وتشمل “سد الثورة” في الطبقة و”سد تشرين” و”سد البعث”.

وتحوي محافظة دير الزور عدداً من أكبر حقول النفط السورية، مثل التيم، والتنك (بادية الشعيطات)، والعمر (شمال شرق الميادين)، والورد، وخشام، والخراطة، والحسيان، والجفرة، علاوة على معمل غاز كونيكو (ريف دير الزور الشرقي) والذي يعدّ أحد أهم مصادر الغاز السوري. وتشكل حقول البادية وحقول توينان والحباري والثورة أكثر من 60 في المائة من إنتاج البلاد.

ويبدو أن حركة المارينز الخاطفة لبسط السيطرة على حقل “كونوكو” بالتعاون مع “قسد” قد دفع بالقوات الروسية لشن غارات على منشآت ذلك الحقل، والمبادرة إلى دعم تمدد قوات النظام شرقاً للسيطرة على حقول الفوسفات والنفط والغاز.

ففي 25 سبتمبر اتهمت مليشيا “قسد” روسيا باستهداف مواقع لها في محافظة دير الزور السورية، ما أسفر عن إصابة عدد من مقاتليها، وقال متحدث باسم القوات إن طائرات حربية روسية قصفت مواقعها قرب حقل “كونوكو” الذي انتزعت السيطرة عليه من تنظيم الدولة قبل أيام.

وأضاف مصطفى بالي،أن “الهجوم الذي وقع اليوم برا وجوا أسفر عن إصابة عدد من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية”،فيما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الناطقة الرسمية باسم “حملة عاصفة الجزيرة”، ليلوي العبدالله قولها إن “روسيا قصفت بغارات جوية وقذائف هاون معمل الغاز كونيكو، حيث يتواجد عدد كبير من قواتنا ما أوقع ستة جرحى في حصيلة أولية”. وأشارت إلى أنه: “بعد القصف الروسي نفذت طائرات سورية تابعة للنظام غارات تزامنا مع قصف بقذائف الهاون لا يزال مستمراً” مشيرةً إلى حدوث أضرار مادية جراء القصف.

ويأتي هذا الهجوم، بعد تهديد موسكو في وقت سابق بأنها ستستهدف “قسد” في حال تعرضت قوات النظام السوري في المنطقة لإطلاق نار، حيث قال بيان الجيش الروسي إن “القوات السورية تعرضت مرتين لقصف كثيف من مدافع ومدافع هاون انطلاقا من مواقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات”.

ووفقاً لمصادر مطلعة فإن روسيا كان ترغب بالسيطرة على حقل “كونوكو” الذي يحتوي على خطين لإنتاج الغاز الحر لأغراض الاستخدام المنزلي، إضافة إلى توفير 145 مليون قدم يومياً إلى محطة جندر للكهرباء لإنتاج 400 ميغاواط من الكهرباء، أي 40% من الكهرباء المنتجة من الشبكة الغازية في سوريا، حيث استعجلت العبور إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات قبل أن تثبت مواقعها في مدينة دير الزور، وقامت بنشر نحو ثلاثة آلاف مقاتل غير نظامي للسيطرة على منشآت النفط والغاز، وعندما باغتت “قسد” روسيا بالسيطرة على حقل “كونوكو” بادرت القوات الروسية إلى قصفهم تعبيراً عن سخطها.

وأكدت المصادر وجود خلافات ميدانية بين الروس من جهة وأطراف محسوبة على إيران وقوات النظام من جهة أخرى، حيث كانت طهران ودمشق قد وقَّعتا مذكرة تفاهم قضت باستثمار إيران لمناجم الفوسفات في خنيفيس قرب تدمر، لكن الجانب الروسي تدخل واستعجل استثمار الفوسفات.

وعلى صعيد آخر يثور السخط في طهران من تسريبات مفاوضات تجري بين موسكو وأربيل لتمكين إقليم كردستان العراق من تصدير النفط عبر الأراضي السورية في حال قررت تركيا إغلاق الأنابيب القادمة من الإقليم بالكامل على خلفية الاستفتاء الأخير، حيث استثمرت تركيا في قطاع النفط بكردستان العراق أربعة مليارات دولار، كما أن شركة “روس نفط” وقعت قبل مدة مع كردستان صفقة بقيمة مليار دولار لمد أنبوب غاز عبر تركيا إلى أوروبا. لذلك فإن الدولة الوحيدة في العالم، التي تُعلّق بتحفظ على الاستفتاء هي روسيا.

في هذه الأثناء تشن القوات الأمريكية حملة قصف جوي غير مسبوق للسيطرة على الرقة، حيث تفيد مصادر عسكرية أن معدل قصف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يبلغ نحو قنبلة أو صاروخ أو قذيفة مدفعية كل 8 دقائق، تقريبا، بمجموع حوالي 5775 قنبلة وقذيفة وصاروخ تم إطلاقها في شهر أغسطس الماضي؛ ووفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية فإن القذائف التي تم إسقاطها على الرقة خلال شهر أغسطس تبلغ أكثر من 10 أمثال القذائف التي أسقطتها الطائرات الأمريكية على جميع أنحاء أفغانستان خلال الشهر نفسه، وأسفر القصف عن مقتل ما لا يقل عن 433 مدنياً في الرقة خلال شهر أغسطس، أي أكثر من ضعف عدد الوفيات المقدرة في الشهر السابق، وتقول الأمم المتحدة إن ما يقدر بنحو 25 ألف مدني ما زالوا محاصرين في الرقة، كما إن جزءا كبيرا من البنية التحتية للمدينة، بما في ذلك نظامها الطبي، قد تحول إلى ركام.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018