استمرار تراجع الدور الأمريكي في سوريا لصالح روسيا

رأت مصادر غربية أن الولايات المتحدة مستمرة في التخلي عن دورها القيادي في سوريا لمصلحة روسيا، مؤثرة التركيز على “الحد” من النفوذ الإيراني وهزيمة التنظيمات المتطرفة مثل “داعش” و”القاعدة.
وتضمنت إشادة الرئيس ترامب في فيتنام (11 نوفمبر) بـ”التنفيذ الناجح” من قبل روسيا للاتفاق بهدف “إنقاذ آلاف الأرواح” مغالطة كبيرة، حيث تغض واشنطن الطرق عن الحملة الهمجية والقصف العشوائي الروسي ضد البنية التحتية المدنية في مناطق مختلفة من البلاد.
كما يبدو أن اعتقاد واشنطن بإمكانية قيام موسكو بإضعاف إيران في سوريا ليسأكثر من محض وهم، خاصة وأنها تدعم اتفاقات أستانة المتضمنة إنشاء “مناطق خفض التصعيد” في محافظتي درعا والقنيطرة جنوب سوريا، وقد ضمن اتفاق “مناطق خفض التصعيد” الحالي حرية الحركة لإيران وحزب الله على طول هضبة الجولان والحدود السورية الأردنية، حيث تستمر القوات الإيرانية في تعزيز مواقعها جنوب شرقي البلاد، وتمعن في تعزيز مصالحها الإستراتيجية مع موسكو وإضعاف الدور الأمريكي في المنطقة.
وعلى الصعيد نفسه فإن إقرار واشنطن أن روسيا: “تعتزم عرض تسوية سياسية ذات مغزى في سوريا”، يؤكد مدى التضليل الذي تمارسه الإدارة الأمريكية من خلال غضها الطرف عن الدبلوماسية الروسية النشطة لإضعاف مباحثات جنيف، ونقل الثقل الدبلوماسي لأستانة، فضلاً عن خططها لعقد “المؤتمر السوري للحوار الوطني” في سوتشي.
ووفقاً لتقرير نشره موقع “ديبكا” (17 نوفمبر) فإن البيان الأمريكي-الروسي في فيتنام تضمن تصريحات “جوفاء” تهدف إلى التغطية على الوضع الحقيقي؛ فترامب وبوتين لم يفشلا في إجراء محادثات بناءة في مؤتمر فيتنام وحسب، بل إن فريقا الرئيسين المكلفان بوضع مذكرة تفاهم لم يتوصلا لذلك لأن الفجوة كانت أوسع من أن يتم التوصل إلى جسرها.
وسرعان ما طفت الخلافات على السطح، حيث تراشق كبار المسؤولين الروس والأمريكان الانتقادات، ففي 14 نوفمبر، علَّق وزير الدفاع الأمريكي ماتيس على الدور الروسي في سوريا بقوله: “ينبغي أن تفعلوا شيئاً حيال هذه الفوضى، فلا يكفي فقط القيام بالجانب العسكري وإغفال الجوانب الأخرى، ينبغي تهيئة الظروف للحل الدبلوماسي”
ومن جانبه انتقد لافروف تناقض المواقف الأمريكية مؤكداً أن واشنطن تتحدث عن تغيير النظام لكنها لا تطالب بذلك فعلاً، وأنكر صحة التقارير التي تحدثت عن وجود تعهدات روسية لإخراج الميلشيات الإيرانية من سوريا، مؤكداً أن الوجود الإيراني في سوريا “قانوني”، وجاء تصريح لافروف بالتزامن مع اتهام وزير الدفاع الروسي شويغو القوات الجوية الأمريكية بإعاقة الغارات الروسية التي تستهدف “داعش” في البوكمال.
وكانت هيئة الإذاعة البريطانية قد استبقت لقاء الرئيسين في فيتنام بنشر تقرير مفصل مدعم بصور أقمار صناعية يظهر أعمال إنشاءات تقوم بها إيران لبناء ثكنات ومبانٍ للجنود والآليات في موقع يبعد 50 كم عن الجولان السوري المحتل في مدينة الكسوة التي تقع على بعد 14 كم من دمشق.
وتحدث تقرير ديبكا عن تواجد إيراني في مدينة إزرع التي تبعد 80 كم عن دمشق، وتقع على الطريق السريع بين مدينة درعا والعاصمة دمشق وعلى بعد 25 كم عن الحدود مع الجولان المحتل.
وعلى الرغم من الحديث عن موافقة إيران على إبعاد ميليشياتها الشيعية وحرسها الثوري 20 كم عن الحدود مع إسرائيل، وحديث واشنطن عن وعد روسي “غامض” بإخراج القوات والميليشيات الإيرانية من سوريا، إلا أن لافروف نفى ذلك جملة وتفصيلاً وأكد أن وجود إيران وميلشياتها شرعي في سوريا.
ودفعت تلك التناقضات برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إرسال رئيس أركان جيشه الجنرال غادي إسينكوت إلى بروكسل للاطلاع على حقيقة الموقف من الجنرال الأمريكي غورتيس سكاباروتي قائد قوات الناتو في أوروبا، ومحاولة فهم حقيقة ما تم التوصل إليه من تفاهمات بين واشنطن وموسكو في ظل تناقض التصريحات بين البلدين عقب بيان فيتنام (11 نوفمبر).
وأشار التقرير إلى أن الجنرال الأمريكي بدا مرتبكاً في إجاباته على أسئلة إسينكوت، وأنكر معرفته بأية تفاهمات تم التوصل إليها بين بوتين وترامب بشأن قضية منطقة الحدود السورية الإسرائيلية.
وفي ظل غموض المواقف الأمريكية واستمرار روسيا في تحالفها الإستراتيجي مع إيران، يبدو أن إسرائيل تُعدّ العدة لعمل عسكري يهدف إلى تغيير المعادلة في المستقبل القريب.
في هذه الأثناء تستمر القوات الأمريكية في تنفيذ عمليات انسحاب منظم لقواتها من الأراضي السورية، حيث تم الكشف (28 نوفمبر) عن سحب القوات الأميركية خلال اليومين الماضيين مجموعة من عناصرها المتمركزة في مدينة “الشدادي” بريف الحسكة الجنوبي باتجاه قاعدتها في منطقة “رميلان”.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018