الاستخبارات الروسية تحقق بمزاعم “خيانة” أودت بأرفع ضابط روسي في دير الزور

تكبدت القوات الروسية خسائر نوعية في حملتها العسكرية للسيطرة على دير الزور، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية، يوم الأحد 24 سبتمبر ، مقتل ضابط روسي يحمل رتبة فريق (جنرال) على تخوم المدينة.

وقالت الوزارة في بيان لها إن: “الفريق فاليري أسابوف، الذي ترأس مجموعة المستشارين العسكريين الروس في سورية، تعرّض لإصابة قاتلة جراء انفجار قذيفة عند مركز قيادة تابع لجيش النظام.

وجاء مقتل قائد اللواء الخامس وكبير المستشارين العسكريين الروس في سوريا، فاليري أسابوف، كأعلى رتبة عسكرية خسرها الجيش الروسي منذ حرب أفغانستان، بالتزامن مع إعلان مقتل عقيدين روسيين وفقاً لحصيلة الخسائر الأولية.

وشهد مطلع شهر أكتوبر الجاري مقتل عقيد ثالث تابع لمشاة البحرية للجيش الروسي، توفي في أحد مستشفيات موسكو متأثرا بجراحه التي أصيب بها في معارك دير الزور. وقالت المصادر إن العقيد “فاليري فيديانين” قائد اللواء 61 مشاة بحرية كان أحد المشاركين في معارك دير الزور الدائرة بين النظام السوري وتنظيم الدولة وبإسناد جوي وبري من الجيش الروسي.

وأثار مقتل الفريق أسابوف التوتر بين واشنطن وموسكو التي اتهمت الولايات المتحدة بالتلاعب معها في “محاربة الإرهاب”، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، أن: “العائق الأساس أمام القضاء على “داعش” في سوريا ليس القدرات القتالية للإرهابيين، بل دعم الزملاء الأمريكيين له وتلاعبهم معه”، مؤكداً أن سلسلة هجمات مقاتلي تنظيم “داعش” على قوات النظام انطلقت من المناطق التي تنتشر فيها “البعثة العسكرية الأمريكية” في سوريا، وذلك بعد حصولهم على إحداثيات دقيقة لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الاستطلاع الجوي فقط.

ومن جانبه؛ رفض المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، القول بأن مقتل الجنرال الروسي في سوريا كان بسبب ازدواجية الولايات المتحدة، قائلاً: “التصريحات بأن واشنطن تدعم داعش أو أن واشنطن تتغاضى عن وفاة القائد الروسي لا تستند إلى حقائق، الولايات المتحدة والتحالف لهما هدف واحد هو هزيمة داعش… التعليقات التي أدلى بها المسؤولون الروس ليست صحيحة ولا تساعد القضية”.

في أعقاب هذه الحادثة أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً (الثلاثاء 26 سبتمبر) بإقالة 4 مسؤولين رفيعي المستوى، بمن فيهم قائد القوات الجوية الفضائية الروسية الفريق أول فيكتور بونداريف وتسريحه من الخدمة العسكرية، وكذلك نائب قائد أسطول البحر الأسود الفريق البحري فاليري كوليكوف، وعزل الفريق في جهاز الشرطة سيرغي أرينين من منصب قائد قوات الأمن في مقاطعة ساراتوف، وإقال رئيسة الوكالة الفدرالية الخاصة بشؤون رابطة الدول المستقلة والمغتربين والتعاون الإنساني الدولي لوبوف غليبوفا من منصبها.

وتضم القوات الجوية الفضائية الروسية: القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي المضادة للصواريخ والقوات الفضائية، بالإضافة إلى القوات الخاصة في التشكيلات العسكرية لشؤون الحرب الإلكترونية والاتصالات وتأمين الصيانة التقنية للرادارات وأنظمة التحكم الآلي، والأنظمة الهندسية والأرصاد الجوية، والوحدات العسكرية للدعم اللوجستي التقني وحماية الهيئات العسكرية، وكذلك المؤسسات التعليمية العسكرية ومؤسسات البحوث العلمية.

ووفقاً لتقرير أمني (28 سبتمبر 2017) فإن وصف رئيس هيئة الأركان الروسية فيلاري غيراسيموف في كلمة ألقاها في تأبين الجنرال أسابوف بأن القذيفة التي تسببت بمقتله ” خائنة”، يأتي في إطار شكوك روسية بوقوع خيانة مصدرها حلفاء موسكو السوريين أو الإيرانيين أو مقاتلي حزب الله اللبناني لما يفترض أن يكون تسريباً لمعلومات أمنية أفضت إلى معرفة موقع الجنرال، لأن قذيفة داعش كانت دقيقة الإصابة على نحو غير عادي مما يشي بمعرفة مطلقها بمكان تواجد الجنرال الروسي.

وكشف رئيس هيئة الأركان الروسية الجنرال غيراسيموف للمرة الأولى بأن الجنرال أسابوف قد تم إيفاده السنة الماضية سراً لتولى قيادة الفيلق الخامس (للمتطوعين) التابع لجيش النظام السوري والذي جرى تشكيله أواخر 2016 بسلاح واستشارات روسية، الأمر الذي أغضب طهران وأثار حفيظة دمشق على حد سواء، إذ إن خضوع الفيلق لقيادة روسية يعني أنه سيتم تشكيله كنسخة روسية من الحرس الثوري الإيراني من دون أن يكون لإيران صلة به.

ووفقاً للتقرير نفسه؛ فإن مقتل أسابوف قد نتج عنه تحول مفصلي في آليات تعاون موسكو مع حلفائها، حيث تسببت هذه الحادثة بسخط شديد لدى الرئيس الروسي بوتين ووزير دفاعه شويغو مما جعلهما يقسمان على الانتقام من الجهة الاستخباراتية التي سربت لمدفعية داعش إحداثيات مكان تواجد الجنرال أسابوف.

وأشار التقرير إلى أن الشكوك قد ساورت الكرملين في بداية الأمر باحتمالية قيام الولايات المتحدة بتسريب إحداثيات موقع الجنرال، إلا أن التحقيق الاستخباراتي الروسي حول الحادثة أشار إلى حدوث “خيانة” من طرف لم يتم تحديده.

وعلى الرغم من تراجع حدة خطر وقوع صدام روسي-أمريكي مباشر، نتيجة السباق المحتدم للسيطرة على دير الزور؛ إلا أن الوضع لا يزال حرجاً نتيجة استمرار حشد الروس قواتهم الخاصة شرقي سوريا، والإيعاز لهم بالبقاء في وضعية الاستعداد لتنفيذ الأوامر التي قد تتضمن ضرب القوات الخاصة الأمريكية المتواجدة في المنطقة أو ضرب مليشيات “قسد” الحليفة للولايات المتحدة أو ضرب القوتين.

وتحقق الاستخبارات الروسية (GRU) في ادعاءات قيام كيان عسكري غير محدد في شرق سوريا بالتواصل مع قادة تنظيم “داعش” في محافظة ديرالزور وتسليمهم إحداثيات موقع القيادة الروسية في تلك المنطقة، إذ إنه لا يمكن لأي كيان عسكري أن يكتشف الموقع إلا في حال امتلاكه تقنيات متطورة لا يمكن توفرها إلا لدى القوات الجوية والقوات الخاصة الأمريكية.

إلا أن بوتين قد حرص على استخدام كلمة “خيانة” عدة مرات، وذلك بالتزامن مع تأكيد تقرير الاستخبارات الروسية أنه: “أياً يكن من مرر المعلومات عن تواجد الجنرال أسابوف فإنه قد خان الجيش الروسي في سوريا”، مما يؤكد ترجح احتمال أن يكون أحد حلفاء موسكو قد سرب موقع الجنرال، ليضع بذلك بوتين في واحدة من أشد المآزق منذ تدخله العسكري في سوريا، ولا شك في أن مكان تواجد الضباط الروس كان معلوماً لدى حلفاء موسكو من ضباط النظام و”حزب الله”، الذين كانوا على اتصال مباشر مع القيادة الروسية خلال عبور الفرات وربما أن ضباط الحرس الثوري كانوا مطلعين على هذا السر حينما كانوا ينسقون لتحرك المليشيات الشيعية العراقية عبر نهر الفرات.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018