الانتشار الروسي في الجنوب السوري يسفر عن صراعات غير متوقعة

نفذت القوات الروسية  عدة عمليات انتشار جنوب غربي سوريا، حيث قامت بنشر نحو 400 مقاتل أغلبهم شيشانيون على الحدود مع الأردن، بالإضافة إلى نشر 800 مقاتل روسي على بعد 8 كم عن الحدود مع “إسرائيل” التي لا تزال غير مرتاحة للتفاهمات الأمريكية-الروسية التي تم إبرامها في عمان.

كما قامت القوات الروسية بوضع 6 نقاطة مراقبة (21 يوليو 2017)، بعضها يقع على بعد 13 كم عن موقع للقوات الإسرائيلية، لكنها لم تطلب من عناصر “حزب الله” الانحساب من بعض المواقع التي لا تزال مرابطة فيها، ويبدو أن السلطات الروسية بدأت في مواجهة تحديات كبيرة لم تكن في حسبانها أبرزها:

1- عدم موافقة تل أبيب على التفاهمات الروسية-الأمريكية بعمّان

أبدت تل أبيب رفضها وجود قوات روسية على حدودها الشمالية ، وذلك لعدم وجود بنود صريحة في الاتفاق المبرم بينهما تنص على انسحاب الحرس الثوري و”حزب الله” مسافة 40 كم من الحدود وفق الشروط التي وضعتها تل أبيب لإقرار تلك التفاهمات غير المعلنة بين الطرفين، وعبرت حكومة نتنياهو عن رفضها استمرار الوجود العسكري الإيراني، خاصة وأن  الاتفاقية لا تعدو عن كونها عنواناً فضفاضاً لعمل لم تُكتب تفاصيله حول منظور التعاون العسكري والسياسي بين روسيا والولايات المتحدة، كما كرر نتنياهو وقادة جيشه رفضهم وجود إيران و”حزب الله” على حدودها، وعلى الرغم من رصد انسحاب أرتال من ميليشيات إيران و”حزب الله” اللبناني و”حركة النجباء” العراقية من الجبهة الشرقية لمخيم درعا، وتحديداً من مكان تمركزها في نقطة المطاحن وفرع المخابرات الجوية، وانسحاب أرتال أخرى لميليشيات شيعية من جبهات حي سجنة في درعا القريب من الحدود الأردنية، إلا أن عملية الانسحاب شملت التعزيزات التي تم الدفع بها مؤخراً، وذلك للتغطية على عملية إعادة انتشار قامت بها تحت جنح الليل، وتمركزت في بلدات عتمان وإزرع والصنمين بريف درعا الشمالي.

2-الصراع الروسي-الإسرائيلي على كسب قلوب سكان القنيطرة

أشار موقع “ديبكا” الاستخباراتي (25 يوليو 2017) إلى أن القوات الروسية وجدت نفسها في موقع منافسة مع القوات الإسرائيلية التي تقوم بتوصيل المساعدات إلى العديد من القرى السورية المحاذية للحدود معها، ويبدو أن هنالك صراع صامت بين القوات الإسرائيلية والروسية -التي ينتمي أغلب مقاتليها إلى أصول شيشانية وداغستانية وإنغوشية- لكسب تعاطف السكان المحليين، حيث قام الروس بتقديم خدمات طبية لسكان قرية جبة، ووعدوا بالمزيد فور تطبيق الاتفاق، الأمر الذي دفع بحكومة تل أبيب لكشف النقاب عن المساعدات التي كانت تقدمها لنحو مائتي ألف مواطن سوري في نحو 80 قرية على عمق 15 كم داخل الأراضي السورية كما زعمت التقارير الإسرائيلية.

وأشارت التقارير نفسها أن تل أبيب قدمت نحو نصف مليون لتر من الوقود، و360 طن من المواد الغذائية، و77 طن من الملابس والأحذية، بالإضافة إلى تزويد العديد من القرى بالمولدات الكهربائية، وإنشاء المراكز الطبية في المناطق الحدودية، فضلاً عن تلقي 3000 سوري العلاج في المستشفيات الإسرائيلية.

ورأى التقرير أن إسرائيل قد قررت جعل برنامج المساعدات رسمياً ومعلناً حيث أطلقت عليه اسم “الجار الصالح”، وسيتضمن قيام الجيش الإسرائيلي بإرسال المساعدات الطبية والمواد الغذائية والوقود بصورة منتظمة لمنع الروس من كسب تعاطف سكان تلك القرى.

3- اندلاع الصراع مع إيران لرفضها تنفيذ اتفاقيات التهدئة

أشارت أصابع الاتهام باللائمة على إسرائيل في القصف الذي تعرض له مطار دمشق الدولي (29 يوليو 2017)، والتي استهدفت شاحنات قيل إنها كانت تحمل معدات تابعة لمؤسسة “أوج” الثقافية الإعلامية الإيرانية، دون الإشارة إلى وقوع خسائر جسيمة، كما سُمع دوي انفجارات أخرى في محيط مطار المزة العسكري (27 يوليو 2017)، ودار الحديث آنذاك عن استهداف مقاتلتين حربيتين شحنات أسلحة إيرانية كانت في طريقها إلى القاعدة العسكريةالإيرانية في المطار. وفي ظل الصمت المطبق لإعلام النظام وعدم تعليق أي من مسؤوليه على تلك الحادثة؛ أكدت مصادر موثوقة أن الضربات التي استهدفت مطار دشق الدولي قد تمت بسبع صواريخ استهدفت شحنة أسلحة وذخائر كانت قادمة من إيران وأدت إلى مقتل 3 من عناصر النظام، وإعطاب طائرة مدنية كانت على مدرج المطار، وتم تدمير الشحنة بصورة كاملة، فيما تم تأجيل رحلتين كانتا متجهتين إلى إيران خوفاً من استئناف القصف، ووفقاً للمعلومات نفسها فإن الضربة تمت من قبل الروس الذين أرادوا إجبار الإيرانيين على إرسال شحناتهم من الأسلحة عبر مطار حميميم بحيث تكون تحت أنظارهم، ولم يرغبوا بالاستمرار في إرسال المزيد من شحنات الأسلحة الإيرانية مباشرة للنظام عبر مطار دمشق الدولي، وتفيد المصادر أن استخبارات النظام كانت على علم بذلك، وآثرت التزام الصمت وعدم الإفشاء بأية معلومات حول طبيعة الضربة وأهدافها.

4- الانتشار الر وسي بجبل العرب يثير حفيظة النظام

بعد انتشارها في بعض قرى وبلدات محافظة درعا جنوب البلاد؛ بادرت القوات الروسية إلى الانتشار في محافظة السويداء المجاورة، حيث ترغب روسيا في رسم المزيد من الخطوط الحمراء في محيط المحافظة ومنع النظام والميلشيات الموالية له بالانتشار فيها. ولتحقيق ذلك فقد بادرت إلى إنشاء عدة نقاط في ريف السويداء الغربي والشمالي الغربي والجنوبي الغربي، بمحاذاة محافظة درعا، بحيث يصل العدد التقريبي إلى نحو مائة عنصر.

وتفيد المصادر بنشر نحو 20 عنصراً في قرية  بَرَد، مزودين بأسلحة خفيفة ومناظير وأجهزة اتصالات، إضافة لانتشار مماثل على حاجز مطار خلخلة الغربي الواقع شمال السويداء والمتاخم لمنطقة اللجاة بمحافظة درعا، وفي الفوج 404 الواقع قرب بلدة نجران غرب السويداء والمتاخم للجاة،  إضافةً لوصول قوات مماثلة إلى الفوج 127- قوات خاصة، الواقع جنوب غرب السويداء والمتاخم لريف درعا، مع توارد أنباء عن وصول قوات روسية إلى مطار الثعلة، حيث اتخذت القوات الروسية هذه المواقع نقاطاً ثابتة في مناطق انتشارها.

ويثير ذلك الانتشار حفيظة النظام الذي كان قد استهدف تلك المناطق بشكل شبه يومي، حيث كان الفوج 127 يقصف مدينة بصرى الشام والقرى المجاورة لها بشكل مستمر، كما كان حاجز خلخلة يقصف منطقة اللجاة، في حين كان الفوج 404 يستهدف ريف درعا الشرقي براجمات الصواريخ والمدفعية، وتشير المصادر إلى تنامي السخط في اوساط النظام وحلفائه الإيرانيين من ازدياد التواجد الروسي في الجنوب والذي يشي برغبة موسكو بسط سيطرتها في المنطقة، وتقليم أظافر  المليشيات التابعة لإيران أو النظام.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018