المفاوضات الأمريكية-الروسية تسفر عن ملامح الفيدرالية السورية الجديدة

شهد الأسبوع الأخير من شهر يونيو المنصرم توقيع اتفاقية تفاهم ثلاثية بين أمريكا وروسيا والأردن لإقامة “منطقة آمنة” في درعا وريفها، وتتضمن، وقفاً شاملاً للقتال وتجميد عمليات القصف الجوي، وانسحاب “حزب الله” وغيره من الميلشيات التابعة لإيران بعمق 30 كيلومترا من حدود الأردن، وإنشاء مجالس محلية تشرف على توزيع المساعدات الإنسانية وعودة اللاجئين من الأردن، وإطلاق تبادل تجاري بين الطرفين، وذلك في مقابل السماح للنظام برفع العلم الرسمي، ووجود رمزي له وللمؤسسات العامة في المناطق والوصول من مدينة درعا إلى معبر الرمثا على حدود الأردن، وفتح طريق التجارة الذي يخدم أيضا البضائع القادمة من لبنان إلى الأردن، وذلك استجابة لرغبة عمّان التي ترغب بعودة التبادل والميزان التجاري بينه وسوريا والذي تأثر بسبب الحرب لأن الأردن يرى في النظام السوري الشريك الأمثل لإعادة هذه المعابر إلى العمل.

وكان الوفد الأميركي الذي ضم عسكريين ودبلوماسيين، اقترح ضم مناطق تشمل القنيطرة ودرعا وريف السويداء، بما فيها مناطق سيطرة القوات النظامية التي تمتد من دمشق باتجاه درعا من دون الوصول إلى حدود الأردن، في حين طلبت عمان ضم شرق السويداء إلى المحافظات الثلاث البادية وصولاً إلى معسكر التنف في زاوية الحدود السورية-العراقية-الأردنية.

وكبادرة حسن نية من طرفها استبقت واشنطن اللقاء المقرر بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في ألمانيا، بتسريب خبر نشرته مجلة “فورين بوليسي” عن ثلاثة مسؤولين أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون سيترك للروس اتخاذ قرار حول مصير بشار الأسد.

وأوضح المسؤولون أن تيلرسون أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في لقاء خاص جرى في مقر وزارة الخارجية الأسبوع الماضي، أن مصير الأسد يقرره الروس، وأن إستراتيجية إدارة دونالد ترامب تركز على هزيمة “تنظيم الدولة”.

وسرعان ما قامت موسكو بتقديم بادرة حسن نية تمثلت في الإعلان المفاجئ لقوات النظام وقف قتال شامل لجميع الجبهات الجنوبية (حوران والقنيطرة والسويداء)، ويستمر حتى يوم الأربعاء 6 يوليو.

وأشار تقرير “ديبكا” (3 يوليو 2017) إلى أن الإعلان المفاجئ يأتي تدشيناً لتفاهمات “سرية” تم التوصل إلهيا في غرة شهر يوليو الجاري بين الولايات المتحدة وروسيا، وتقضي بإنشاء منطقة آمنة تمتد على طول 128 كم ابتداء من الطبقة، وذلك تمهيداً للقاء ترامب مع بوتين على هامش قمة العشرين في مدينة هامبرج.

ويبدو أن روسيا قد أظهرت ليونة في ترتيبات المنطقة الجنوبية مقابل عودة النظام إلى معابر درعا الأصلية وفتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، وتحقيق “وجود عسكري” روسي في محافظة إدلب تحت عنوان مطاردة الإرهاب، الأمر الذي يجعل موسكو طرفاً في أي مشروع مستقبلي يتعلق بأكراد سوريا.

ويبدو أن المشهد بدأ يسفر عن تأسيس فيدرالية هشة ضمن اتفاق محاصصة دولية واقتسام لمشاريع “إعادة إعمار سوريا”، تشمل: منطقة “خفض توتر” في إدلب ومحيطها بنفوذ عسكري روسي-تركي، وضمان سيطرة إيران على المحاظفات الوسطى، وإنشاء إقليم حكم ذاتي للأكراد في القامشلي وبعض مناطق الرقة، في حين تبقى درعا إقليماً جنوبياً مستقلا بصورة تحافظ على المصالح الأردنية وبوجود عسكري “أمريكي ودولي”.

في هذه الأثناء تعمل الولايات المتحدة على مد شبكة من القواعد العسكرية في المنطقة، ففي أعقاب الإعلان عن إنشاء قاعدة جديدة في “الزكف” في شهر يونيو المنصرم، كشفت مصادر إسرائيلية عن قاعدة عسكرية أمريكية سرية في الأردن يُعتقد أنها تستخدم طائرات من دون طيار، من طراز “MQ-9” الأمريكية، في شمال البلاد، ويُرجح أنها تستعمل في الحرب ضد “تنظيم الدولة” في سوريا والعراق.

وتقع القاعدة السرية في منطقة نائية في الجزء الشمالي الشرقي من الأردن، في موقع مثالي يمكنهامن القيام بأعمال المراقبة داخل سوريا والعراق، حيث تعتبر هذه القاعدة هي الثانية في الأردن وتُستخدم في إطلاق طائرات من دون طيار من طراز “ريبر”.

وتعتبر هذه القاعدة غير المكشوفة جزءا من قاعدة القوات الجوية “H4” في الأردن الواقعة بالقرب من الحدود بين سوريا والعراق. وهي القاعدة الأمريكية الثانية بالأردن بعد قاعدة “موفق السلطي” الجوي.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018