المواجهة الأمريكية-الروسية-التركية في “منبج” تذكي المنافسة على الرقة

تشير مصادر عسكرية غربية إلى أن طلائع القوات الأمريكية قد دخلت الأراضي السورية مساء الثلاثاء 7 مارس، بالتزامن مع الاجتماع الذي ضم رئيس الأركان الأمريكي مع نظيريه الروسي والتركي في مدينة أنطاليا التركية، وتتضمن عناصر من فوج (Rangers Regiment) الخامس والعشرين وصلوا إلى قاعدة “رميلان” بالقرب من الحسكة قادمين من قاعدة “فورت لويس” الجوية الأمريكية، كأول قوة أمريكية ستتولى قيادة العمليات المشتركة ضد تنظيم “داعش” في الرقة.

وقد تم تزويد هذه القوات بدبابات (Stryker) الهجومية الخفيفة، بالإضافة إلى مدرعات ومعدات ثقيلة تم إرسالها إلى القاعدة من العراق، كما تم تعزيز هذه القوة بنحو 400 مقاتل من الوحدة الحادية عشر من المارينز (11th Marine Expeditionary Unit) التي دخلت الأراض السورية من جهة العراق، مزودة ببطاريات مدفعية (M777 Howitzers) تطلق قذائف من عيار (155-mm)، ويتوقع أن تتولى الكتيبتان الأولى والرابعة من مشاة البحرية مهمة تأمين الإسناد الناري للقوات الكردية التي ستكون رأس الحربة في الهجوم الرقة، في حين تشير مصادر عسكرية إلى إرسال القوات الأمريكية وحدات إضافية من المشاة لتأمين الخطوط الخلفية وحماية المعدات.

ووفقاً لمصادر عسكرية أمريكية فإن الخطة الأمريكية للهجوم على الرقة تتطلب الزج بالمزيد من القوات الخاصة وتزويدها بطائرات هليكوبتر هجومية، ومدفعية، وضح شحنات أكبر من الأسلحة الثقيلة إلى القوات المحلية التي يرغب الأمريكان أن تتكون من الأكراد والعناصر القبلية.

في هذه الأثناء وجَّه قرار ترامب التنفيذي الأوامر للبنتاغون باقتراح تعديلاتٍ على القيود التي فرضتها إدارة أوباما على قواعد الاشتباك العسكرية والتي تتجاوز تلك التي يتطلَّبها القانون الدولي، وتتمثَّل أهم تلك القواعد في قرار أوباما التنفيذي، الذي وقَّعه الصيف الماضي، بفرض قواعد صارمة لتجنُّب سقوط ضحايا بين المدنيين.

وكانت مصادر عسكرية قد أشارت إلى أن القوات الأمريكية تلقت من حلفائها ثلاثة خطط “متناقضة ومتداخلة” لطرد “تنظيم الدولة” من معقله في الرقة، أحدها من أنقرة؛ ويتضمن توغل الجيش التركي دعماً لفصائل “الجيش السوري الحر” من محورين أو ثلاثة وتدريب نحو 30 ألف مقاتل من العرب والأكراد لتحقيق ذلك، بينما ورد الثاني من موسكو بدعم تمدد قوات النظام السورية وحلفائها من محوري تدمر وجنوب شرقي الباب. لكن الجيش الأميركي لا يزال يدعم عرضاً ثالثاً من “قوات سورية الديمقراطية”، ذات الأغلبية الكردية، التي بدأت قبل أيام المرحلة الثالثة من عزل الرقة، حيث تعتقد واشنطن أن الأكراد هم “الأكفأ في قتال داعش، وأن تقدم درع الفرات بدعم الجيش التركي في تحرير الباب كان بطيئاً”، إضافة إلى عدم رضاها عن التنسيق بين الجيشين التركي والروسي في الباب. ورفض أنقرة أي دور لـ”وحدات حماية الشعب”، وتفضل السيطرة على الرقة بمقاتلين عرب، كما حصل في مدينة الباب.

وتشير المصادر إلى أن قرار ترامب بالمضي في السيناريو الثالث يأتي بسبب عدة عوامل أبرزها: قناعة وزير الدفاع الأمريكي ماتيس بعد القدرة على إيجاد بديل يمكنه أن يحل مكان القوات الكردية كرأس حربة للعملية، وحتى إن تم تجميع قوات من الفصائل فسيتطلب الأمر توفير تدريبات خاصة لهم، وهو أمر يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، والتخوف الذي أبدته التقارير الاستخبارية من معارضة العرب بمحافظة الرقة دخول القوات الأمريكية إلى مناطقهم وعدم رغبتهم بالتعاون معها، واعتقادها أن بعض شيوخ القبائل العربية على تعاون وثيق و سري مع تنظيم الدولة ويعارضون دخول الأكراد إلى مناطقهم.

وبناء على ذلك فقد اقترح مسؤولون أمريكيون شاركوا في عملية التخطيط رفع سقف حجم القوات العسكرية الأميركية الموجودة في سوريا، والتي يبلغ عددها حالياً نحو 500 من مُدرِّبي القوات الخاصة ومستشاري تحالف قوات “سوريا الديمقراطية”، حيث تعمل القوات الأمريكية على إنشاء علاقة تعاون بين هذه القوات مع جيش النظام والقوات الروسية، وتم لها ذلك في العملية الخاطفة التي نفذتها في منبج، حيث دعا القائد العام الأميركي لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم”داعش”، الجنرال ستيفن تاونسند جميع القوات المعادية لتنظيم “داعش” شمال سوريا إلى: “وقف الاقتتال فيما بينها والتركيز على أفضل السبل لهزيمة المُتشدِّدين”.

وفي اجتماع رؤساء الأركان الثلاثة بأنقرة أوضح الجنرال دنفورد لنظيريه الروسي والتركي أن الرئيس الأمريكي جاد في توسيع نطاق العمليات خلال الأيام القادمة وأن القوات التي تم إرسالها هي الدفعة الأولى من قوات أخرى سيتم إرساله في الأيام القادمة دون انتظار اكتمال ترتيبات إنشاء تحالف فعلي على الأرض، وتم إبلاغ رسالة حازمة إلى الأتراك تفيد بأن رأس الحربة في العمليات المرتقبة هي “قوات سوريا الديمقراطية” التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية الجزء الأكبر منها، وذلك في إشارة واضحة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تريد مشاركة فاعلة للفصائل المشاركة في “درع الفرات”، وتفضل الدمج بين القوات الكردية وأبناء العشائر التي يمكن أن تشكل ثلث القوة المشاركة في العملية المرتقبة بالرقة.

ومن المثير للاهتمام أن القوات الأمريكية لم توجه دعوات مباشرة للروس أو الأتراك للمشاركة في الخطط والحشود الأمريكية الجارية، وكانت هذه القوات قد فوجئت بالرتل الأمريكي الذي باغتها في منبج دون ترتيب مسبق، ومثل التواجد الأمريكي رسالة إلى مختلف القوى التابعة للنظام ووحدات حماية الشعب الكردية وفصائل المعارضة وللأتراك والروس أن واشنطن تنوي رسم خطوط التماس بين هذه القوى على الأرض.

وفي مقابل الحديث السابق عن وجود اتفاق ضمني بين واشنطن وموسكو لاقتسام الأراضي السورية إلى مناطق نفوذ، تحصل بموجبها روسيا على المناطق شرقي نهر الفرات، وتسيطر الولايات المتحدة على المناطق الشرقية منها؛ أربك الوجود الأمريكي المفاجئ في منبج الحسابات الروسية والتركية على حد سواء، حيث أبلغ دنفورد نظيريه الروسي والتركي أن القوات الأمريكية تعتزم التقدم نحو  دير الزور بعد سيطرتها على الرقة ضمن عملية شاملة لتطهير شمال شرقي سوريا من تنظيم “داعش”.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن رئيس الأركان الروسي الجنرال جيراسيموف قد تلقى تعليمات من الكرملين بالترحيب بالوجود الأمريكي في تلك المناطق، وعرض جميع الخدمات المتاحة لدى القوات الروسية في سوريا لمساعدة القوات الأمريكية في تحقيق أهدافها، وذلك في مقابل اعتراض الجنرال خلوصي أكار بأوامر من أردوغان على خطط الاعتماد على الأكراد في العمليات المزمعة بالرقة، والتلويح بإمكانية عرقلة حركة المقاتلات الأمريكية في قاعدة “إنجيرليك” التركية من خلال عدم منح الأذونات اللازمة للإقلاع إذا تطلب الأمر، كما تمثل الرد التركي الثاني على المخططات الأمركية بإغلاق أحد أكبر منظمات العون الأمريكية، إلا أن ترامب قد أبلغ أنقرة رسالة واضحة عبر مستشاريه الأمنيين مفادها أن واشنطن قد حسمت أمرها في الاعتماد على الأكراد بدلاً من مقاتلي “درع الفرات”.

ووفقاً لتقرير “ديبكا” (3 مارس 2017) فإن الرد الروسي تمثل في تصريح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف الذي صرح بأن تصرفات الولايات المتحدة تنذر بإشعال حرب باردة جديدة في القوتين، وذلك بالتزامن مع إطلاق موسكو صاروخي “كرز” من طراز (Kalibr) ضد مواقع تاعبة للمعارضة في درعا، الأمر الذي أثار سخط غرفة “الموك” التي فوجئت بهذا التصعيد النوعي في منطقة قريبة من الحدود مع الأردن.

وعلى الرغم من الرسائل الروسية والتركية المبطنة؛ إلا أن واشنطن تبدو مصرة على تحقيق خطتها الطموحة في الرقة بالتعاون مع الأكراد، حيث أعطى ترامب الضوء الأخضر لرئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) باستئناف برنامج تسليح قوات سوريا الديمقراطية بأسلحة نوعية، والذي كان قد توقف وفق قرار مسبق لرئيس الوكالة مايك بومبيو لوقف إمدادات الأسلحة عن جميع الأطراف المتصارعة في سوريا ريثما تكتمل الخطط الأمريكية للمرحلة القادمة.

وترغب الولايات المتحدة من خلال تأمين الأكراد في منبج وضخ الأسلحة إليهم بانتزاعهم من الفلك الروسي وإنشاء تحالف معهم لشن عمليات واسعة النطاق ضد تنظيم “داعش” شمال شرقي البلاد، وعكست تصريحات قائد القوات الأميركية الوسطى الجنرال جوزيف فوتيل نيته البقاء في سوريا بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، حقيقة الأنباء المتصاعدة عن وجود أجندة أمريكية شاملة في سوريا، حيث أكد فوتيل أن قواته ستبقى طويلا في سوريا لضمان الأمن والاستقرار ومساعدة السوريين على الانتقال السلمي للسلطة، موضحاً أن الأمر يحتاج لبقاء قوات أميركية تقليدية، ولا يعني القضاء على داعش بالضرورة مغادرة سوريا.

وفي أول تعزيز بري للقوات الأمريكية في سوريا، تحدث موقع “إنتلجنس أون لاين” (22 فبراير 2017) الاستخباراتي عن إرسال قوات خاصة بولندية لمحاربة تنظيم الدولة في سوريا والعراق انطلاقاً من الأردن، حيث تنسق قيادة القوات الخاصة الأمريكية عمليات تسليح هذه القوات وتدريبها، ويذكر أن المغاوير البولندية قد نفذت عمليات قبل ذلك مع القوات الفرنسية (COS) ومع القوات الجوية البريطانية الخاصة (SAS)، ويشرف بعض ضباط الاستخبارات والارتباط الإسرائيليين حالياً على إعداد مراكز القيادة والتحكم للقوات الخاصة البولندية.

ويبدو أن الخاسر الأكبر من هذه المخططات هو قاسم سليماني الذي كان قد أعد خطة شاملة مع الروس للتحالف من الأكراد لشن عمليات واسعة النطاق ضد تنظيم “داعش” في كل من العراق وسوريا، حيث تعتبر إيران أنها المستهدف الأول في الخطة العسكرية الأمريكية الجديدة، خاصة وأن الإدارة الجديدة تعتبر أن إيران هي الراعية الأولى للإرهاب في العالم، وأنه قد حان الوقت لتقليم أظافرها في الدول المتغلغلة فيها، وقد سبق لترامب أن وجه العديد من الانتقادات لطريقة تعاطي سلفه باراك أوباما مع هذا الحضور الطاغي لإيران في العراق وسوريا، وتشير المناورة الأمريكية الأخيرة في منبج إلى أن ترامب لن يترك روسيا تستفرد بهذا البلد الذي يكتسي أهمية بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي على خارطة الشرق الأوسط.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018