تنامي الخلاف الروسي-الإيراني في سوريا

أكدت مصادر أمنية مطلعة في دمشق أن الجنرال الكسندر جوربليوف، القائد الأعلى للقوات الروسية في سوريا، ومعه بضعة آلاف من الجنود في ثلاثة أسراب تابعة لسلاح الجو الروسي، ومضادات الطائرات وعدد من السفن، عملوا على تغيير توجه الحرب في سوريا وأنقذوا نظام الأسد، ويعد هذا الجنرال هو قائد التحالف العسكري الذي يعمل على إعادة السيطرة للنظام في المناطق القليلة التي خضعت له في الآونة الأخيرة.

ونتيجة لذلك فقد منح بوتين الجنرال جوربيلوف وساماً بنجمتين وأصبح هو الذي يقرر أين سيتجه الخط المحيط بالأسد عقب سقوط حلب وليس القادة الإيرانيون، ففي حين يرغب الإيرانيون بالسيطرة على بعض البؤر الإستراتيجية لمد نفوذهم في البلاد، يركز جوربيلوف جهوده على توسيع سيطرة النظام في المدن الكبيرة في سوريا، في المركز و في الشمال.

ويثير تنامي النفوذ الروسي في القصر الجمهوري بدمشق جدلاً واسعاً في إيران حول المبالغ الضخمة التي تكبدهاالنظام الإيراني، الذي بدأ يفقد نفوذه تدريجياً لصالح الكرملين، مما دفع بالبعض للمطالبة بتقييد حجم التمويل لنشاطات “حزب الله”، وتخصيص جزء من الأموال التي تدفعها إيران في سوريا للاحتياجات الداخلية التي باتت ملحة.

وتشير المصادر إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلي، آيزنكوت، كشف أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أن “حزب الله” يعاني نتيجة خسائره نحو 1700 قتيل وأكثر من 6 آلاف مصاب في الحرب السورية، معتبرة أن الحراك الداخلي في إيران يزيد من وزن روسيا في التحالف المحيط بالأسد، وأوصى بتعزيز التنسيق مع روسيا لإبعادها عن المحور الإيراني خاصة وأن قصف إسرائيل لقوافل السلاح ومخازن “حزب الله” في سوريا يستمر دون إزعاج من موسكو التي تتصرف ببراغماتية ومرونة، فإذا كان جزء من السلاح الذي يُدمر من صنع روسيا، فهذا قد يعني بالنسبة للروس عقد المزيد من صفقات التسليح مع “حزب الله” وإيران.

وكانت مصادر أمنية مطلعة قد كشفت عن اتصالات جرت في الآونة الأخيرة بين دمشق وموسكو طرح خلالها مسؤولون سوريون على روسيا إمكانية إنشاء قاعدة جوية في منطقة القلمون وأخرى بحرية في بانياس توضعان تحت تصرف إيران، على غرار قاعدتي طرطوس وحميميم اللتين يستخدمهما الروس، لكن الروس رفضوا ذلك متذرعين بالرفض العالمي لإيجاد موطئ قدم للإيرانيين في المتوسط، وذلك في الوقت الذي لا تحبذ فيه موسكو أي إجراء يمكن أن يعزز النفوذ الإيراني في سوريا ويدفع طهران إلى المطالبة لاحقاً بحصة ودور ومشاركة في صياغة التسوية المنتظرة، والتي تريد روسيا وضعها مع الأمريكيين والأتراك.

في هذه الأثناء تعمل إيران بهدوء على التمسك بمصادر القوة التي لديها في سوريا، حيث يدور الحديث في أوساط النظام عن “حرب باردة” بين روسيا التي ترغب بفرض وقف إطلاق النار، وإيران التي أنشأت نظام ظل في الكثير من مؤسسات النظام، وخاصة في صفوف ميليشيات الدفاع الوطني، المكونة من الفقراء والمهمشين والعاطلين عن العمل، الذين أصبحوا فجأة من الأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطة في العديد من المناطق، وذلك بسبب الأموال الطائلة التي دفعتها إيران لتدريبهم وتسليحهم.

كما تمتلك إيران الجزء الأكبر من القوة على الأرض، من خلال تحكمها بالميليشيات الشيعية مثل: “حزب الله” اللبناني وحركة النجباء العراقية، فتستقطب الشباب من طائفة النظام إلى صفوفها، فيمنع ذلك انضمامهم للجيش ويُسهم في إضعاف السلطة المركزية للنظام.

وبالتوازي مع نفوذها العسكري تقوم جهات إيرانية بشراء عقارات في دمشق ومحيطها، وخاصة في المناطق التي بدأ يزول عنها الخطر، بسبب المصالحات القائمة في ريفها، وإعادة السيطرة على العديد من المناطق المحيطة بالعاصمة، كما تعزز قبضتها على المزارات الشيعية في دمشق وحمص، في عملية توطين ممنهجة تتزامن مع عمليات التغيير الديموغرافي الجاري في البلاد.

وبرزت ملامح الخلاف الروسي-الإيراني في معركة وادي بردى حيث قامت المليشيات الشيعية بقصف واقتحام المنطقة التي تعتبر خزان مياه دمشق، مما مثل خرقاً لاتفاق الهدنة وأفشل المفاوضات التي كانت تجري برعاية روسية.

وكانت مصادر مطلعة قد تحدثت عن تنامي الشرخ الروسي-الإيراني الذي ظهر من خلال التباين في تصريحات المبعوث الروسي الخاص أليكساندر لافرينتيف ومستشار مجلس الأمن القومي الإيراني علي شامخاني بعد محادثاتهما في طهران حول توقف العمليات القتالية التي تريد طهران استمرارها بحجة وجود جبهة النصرة وتنظيم الدولة، فيما تعمل في الخفاء على تعزيز مصالحها الاقتصادية في البلاد، حيث حصلت إيران مؤخراً على رخصة تشغيل الهاتف المحمول وذلك بناء على خمس مذكرات تفاهم وقعها رئيس وزراء النظام خلال زيارته طهران في 17 يناير الماضي، بالإضافة إلى توقيع عقود تسمح للإيرانيين باستخراج الفوسفات، وتم منحهم خمسة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية وألف هكتار لبناء المنشآت والمصافي النفطية، وإنشاء مزارع تربية للحيوانات.

وتعمل حكومة تل أبيب مع بعض الدول العربية على تنسيق مواقفهما لإبعاد روسيا عن إيران، وذلك بالتزامن مع الحديث في واشنطن عن إمكانية إبرام صفقة مع موسكو تتضمن رفع العقوبات عن روسيا وإصلاح العلاقات الأمريكية-الروسية مقابل ابتعادها عن إيران، ورأى محللون أمريكيون أن إدارة ترامب تركز بصورة أساسية على محاولة الوقيعة بين روسيا وإيران، والتوصل معهم إلى حل نهائي يشمل القضاء على تنظيم الدولة وتمكين أكراد سوريا.

وتنطلق هذه السياسة من أن المشكلة الكبرى التي ستواجه بوتين تتمثل في التكلفة الباهظة للعمليات الروسية والتي ناهزت 3 مليارات دولار منذ عام 2015، وبناء على ذلك ترى إدارة ترامب أنه يمكن إشراك دول الخليج العربية في تمويل ترتيبات الصفقة السورية بشرط خروج بشار الأسد، وإقصاء إيران المتداعية اقتصادياً والتي لن تتمكن من الإسهام في جهود إعادة الإعمار التي يمكن أن يكون لروسيا النصيب الأكبر من تعاقدات تمويلها خليجياً، حيث يعتقد بوتين أن عملية إعادة إعمار سوريا بعد التوصل إلى الاتفاق النهائي، ستكون بمثابة الجائزة التي سينالها، خاصة أن الإعمار سيكون بمثابة منجم ذهب بالنسبة للاقتصاد الروسي.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018