عقدة بشار الأسد تلقي بظلالها على العلاقات الأمريكية-الروسية

تحدثت مصادر دبلوماسية مطلعة عن تقديم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عرضاً مكتوباً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يتضمن تخفيف العقوبات على روسيا وإعادتها إلى نادي “الكبار” والتعاون الكامل معها في محاربة الإرهاب مقابل وقف نار كامل في سورية لا يشمل من يصنفهم الغرب في قائمة “الإرهابيين” وإطلاق عملية انتقال سياسي جدية تحافظ على المؤسسات وتؤدي إلى خروج بشار الأسد.

ويبدو أن الرسالة لم تكن موجهة من الطرف الأمريكي فحسب؛ بل تمت صياغتها بعد مفاوضات أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع “مجموعة السبع” بينهم رؤساء وزراء: اليابان شينزو آبي، وكندا جاستن ترودو، وبريطانيا تيرزا ماي، والمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل.

وأشار المصدر إلى أن الخطاب الذي حمله تيلرسون تضمن ربط الأزمة السورية بملفي جزيرة القرم وأوكرانيا، والتلويح بفرض عقوبات إضافية على روسيا في حال لم تستجب إلى العرض، بالإضافة إلى دور الرئيس الأسد، والحديث عن إمكانية إبرام صفقة تتضمن وقفاً شاملاً للنار عدا قتال من يصنفهم الغرب في قائمة “الإرهابيين”، وصدور قرار دولي بمبادئ الحل السياسي، واستئناف مفاوضات جنيف على أرضية تتضمن جدية من ممثلي الحكومة والمعارضة، ودعم ذلك خلال اجتماع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بمجلس الأمن، إضافة إلى بحث تفصيلي باحتمال نشر مراقبين عرب وإقليميين برعاية دولية في سورية لتنفيذ الاتفاق السياسي.

أما إذا رفض الرئيس بوتين هذا العرض، فستتجه أميركا إلى قيادة حلف دولي وإقليمي يؤدي إلى السيطرة الكاملة على شرق نهر الفرات بعد طرد “داعش” منها وبحث إقامة “مناطق استقرار موقتة” شمال سورية وجنوبها لإعادة لاجئين إليها وتحويلها إلى مناطق نفوذ إقليمي ودولي من دون تنسيق الحرب ضد “داعش” بين الجيشين الأميركي والروسي، إضافة إلى ترك “سورية المفيدة” غرب الفرات إلى النفوذ الروسي والإيراني وحرمان هذه المناطق من الموارد الاقتصادية والنفطية والغازية الموجودة شرق النهر الخاضعة لسيطرة الأكراد وترك مناطق النظام “مدمرة من دون أي موارد مالية للإعمار” مع استمرار غرق روسيا في “المستنقع السوري”.

ووفقاً لتقرير “ديبكا” (12 أبريل 2017) فإن مهمة تيلرسون لم تكلل بالنجاح، فقد رد بوتين عليها بالادعاء أن لديه معلومات مؤكدة أن هجوم خان شيخون كان مفبركاً بهدف تشويه سمعة نظام بشار الأسد، محذراً من تحضيرات يتم الإعداد لها لشن المزيد من الهجمات الكيميائية بالغوطة للغرض نفسه.

وجاء الرد الروسي مباشرة عقب مغادرة تيلرسون، حيث وصل وزيرا الخارجية الإيرانية والسوري لإجراء مباحثات مع لافروف في موسكو، كإشارة على انحياز موسكو لحلفائها التقليديين في المنطقة، ورفضها الانخراط تحت المظلة الأمريكية فيما يتعلق بالشأن السوري، في حين أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن تصرفات واشنطن تزيد من تدمير العلاقات الروسية-الأميركية، واستدعاء الملحق العسكري الأمريكي لإبلاغه بوقف العمل بالمذكرة التي تم الاتفاق عليها مع واشنطن لتفادي الحوادث وتوفير أمن الطيران خلال العملية في سوريا، والتي تم إبرامها في 30 سبتمبر 2015.

لكن إدارة ترامب لا تزال تبذل جهوداً لتغيير قواعد اللعبة وفق شروطها، حيث صرح تيلرسون وهو يتحدث للصحفيين في موسكو بينما كان يجلس إلى جوار لافروف: “تتمثَّل رؤيتنا في أنَّ حكم أسرة الأسد يقترب من نهايته، وقد جلبوا ذلك على أنفسهم مرةً أخرى. لقد ناقشنا وجهة نظرنا بأنَّ روسيا، باعتبارها حليفتهم المُقرَّبة في الصراع، ربما تمتلك أفضل الوسائل لمساعدة الأسد على الاعتراف بهذه الحقيقة”. وأضاف تيلرسون أنَّ رحيل الأسد يجب أن يجري “بطريقةٍ مُنظَّمة”، وكان تيلرسون قد اتهم روسيا بأنها: “فشلت في التزامها تجاه المجتمع الدولي”، وأنَّ الولايات المتحدة تعتقد أنَّ موسكو كانت متساهلةً في الإشراف على نزع المخزونات السورية من غاز السارين. في حين تناغم موقف وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، مع واشنطن عندما أعلن إلغاء زيارته إلى موسكو نتيجة الهجوم الكيماوي في خان شيخون.

ورأى موقع “هفنغتون بوست” (11 أبريل 2017) أن العرض الأمريكي غير مقنع لروسيا التي استثمرت في غضون السنوات الخمسة الماضية ما يربو على مليون طنٍ من الأسلحة، وعشرات المليارات من الدولارات، وحققت موسكو من خلال ذلك دوراً أساسياً كلاعبٍ إقليمي مُهيمن وكقوةٍ عالمية صاعدة، ولا يبدو أن ثمن انخراطها في المعادلة الأمريكية والتخلي عن بشار الأسد مقنعاً حتى الآن.

وبدلاً من تعديل موقفها، صعدت موسكو بصورةٍ أكبر؛ حيث اتهمت واشنطن بالعمل مع الإرهابيين، لكن تصريحات موسكو المرتبكة أظهرت أن الضربة الأميركية قد فاجأت بوتين وأظهرت أنَّ الرئيس الأميركي الجديد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته أكثر مما اعتقد الأسد، حيث مثل هجوم خان شيخون فرصة سانحة لترامب لفرض قواعد اللعبة بطريقته الخاصة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018