محاولات إقليمية لإعادة تأهيل النظام والتطبيع معه

تحدث مركز “يروشليم لدراسة المجتمع والدولة” الإسرائيلي في شهر فبراير الماضي عن “التقاء مصالح غير مسبوق” بين إسرائيل وكل من نظامي الحكم في الأردن وسوريا بشأن ما يجري في جنوب سوريا، حيث تربط بين الأطراف الثلاثة “مثلث حدودي مشترك”، ورغبة لدى جميع الأطراف بالقضاء على الجماعات المتطرفة في تلك المنطقة، حيث حظيت الهجمات التي نفذها الأردن ضد مواقع “جيش خالد بن الوليد” بتأييد دمشق وتل أبيب.

وادعى المركز أن الزيارات المكوكية التي قام بها علي مملوك، القائد الأمني البارز في نظام الأسد للأردن تأتي في إطار تنسيق ثنائي مشترك، مشيرا إلى أن الغارات الأردنية تعزز من فرص استعادة نظام الأسد السيطرة على جنوب سوريا وعلى المثلث الحدودي.

وعلى إثر ذلك التقرير تحدثت مصادر محلية في منتصف شهر فبراير عن زيارة قام بها ماهر الأسد والواء علي مملوك إلى الأردن، تم فيها الاتفاق على منع الأردن أي تسلل من حدوده باتجاه سوريا، وتبع ذلك الاتفاق قيام المقاتلات الأردنية بقصف قوافل أسلحة ومسلحين حاولوا التسلل من الأردن إلى سوريا بالتنسيق مع النظام.

وعلى الرغم من مسارعة السلطات الأردنية إلى نفي تلك الأنباء؛ إلا أن موقع “إنتلجنس أون لاين” (22 فبراير 2017) قد تحدث عن قيام جهات استخباراتية أردنية من العيار الثقيل بإعادة التواصل مع النظام السوري عبر وساطة روسية، وذلك تلبية لرغبة الملك عبدالله الثاني في إنشاء روابط جديدة مع دمشق لتنسيق المعارك ضد تنظيم “داعش” الأمر الذي باركته الإدارة الأمريكية وحثت عليه.

وزعم الموقع أن قائد الجيش الأردني الفريق الركن محمود فريحات الذي قاد حتى وقت قريب القوات الأردنية المتموضعة على الحدود السورية قد أجرى مؤخراً اتصال مباشر مع ماهر الأسد الذي يعتبر من أكبر مؤيدي موسكو في سوريا وذلك  لمناقشة شكل التنسيق المزمع إنشاؤه بين الجانبين، وأضاف الموقع أن اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي قد قام سراً بأربع زيارات لعمان منذ شهر ديسمبر الماضي لتعزيز التقارب مع عمّان.

ويعمل مملوك منذ عدة أسابيع مع مدير المخابرات العامة الأردنية فيصل الشوبكي على مشروع لبناء التنسيق والتقارب بين الطرفين وقد توجت هذه الجهود من خلال تزويد المخابرات الأردنية لموسكو ودمشق خرائط تبين أماكن انتشار ثمان فصائل في الجنوب السوري على مقربة من الحدود الشمالية للأردن ويعتقد أن من بين المستهدفين كل من مقاتلي تنظيم الدولة وجبهة النصرة وأحرار الشام.

ووفقاً لمصادر مطلعة فإن عمليات القصف التي قامت بها الطائرات التابعة لسلاح الجو الأردني ضد مواقع لتنظيم “داعش” داخل سوريا قد تمت بتنسيق مع النظام، وهي المرة الأولى التي تقصف فيها طائرات سلاح الجو الأردني هدفاً داخل الأرض السورية، في حين لم يعترض النظام ولم يصدر بيان تنديد بالتدخل العسكري الأردني، مما يؤكد صحة تلك الأنباء، وذلك بالتزامن مع تغيير التلفزيون الرسمي الأردني نبرته تجاه النظام الذي كان يطلق عليه اسم “الجيش النظامي السوري” ليستخدم عبارة “الجيش العربي السوري”، وذلك في أعقاب اتصالات ولقاءات” مهمة حصلت بين مسؤولين عسكريين من الطرفين برعاية روسية.

وتشير المصادر إلى أن العاهل الأردني قد قرر فتح قنوات التواصل بعد أن نما إلى علمه تفاصيل لقاءات سرية تعقدها المملكة العربية السعودية مع الروس بشأن الملف السوري، حيث تعمل كل من واشنطن وموسكو على إقناع “أصدقاء سوريا” بضرورة فتح قنوات للتعاون مع النظام في محاربة تنظيم “داعش”.

وعلى إثر تسرب تلك الأنباء ادعى تقرير “ديبكا” الاستخباراتي (1 مارس 2017) أن ثمة اتصالات سرية تجري قبيل انعقاد قمة الجامعة العربية لإحداث تغيير جذري في علاقة العالم العربي مع بشار الأسد، وعلى الرغم من إخفاق تلك الجهود إلا أن اللجنة البرلمانية للشؤون العربية في مصر تعمل على “عودة سوريا للجامعة العربية”، وذلك بدعم من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبد الفاتح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله.

ووفقاً للتقرير فإن ضباطاً من الجيش والاستخبارات من روسيا، ومصر، والأردن يعملون على إعداد تلك الترتيبات، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترامب لا يعارض هذه المبادرة.

وقد تكون هذه المبادرة، التي تدفع بها روسيا وتتحمس لها، خطوة نحو مصالحة أكبر بين إيران والسعودية، وهو ما تعمل عليه موسكو، وفقا لتقديرات موقع “ديبكا”.

أما في الجانب التركي فقد تحدثت مصادر مطلعة عن تنامي دور أنقرة في المفاوضات الجارية بين النظام وعناصر من المعارضة، بالإضافة إلى رعاية المفاوضات بين النظام وأهالي مدينة دوما بهدف توقيع هدنة لوقف الأعمال القتالية ودخول المواد الإغاثية المقدمة من المنظمات الدولية والمحلية.

في هذه الأثناء تبدي تركيا رغبة متزايدة في سيطرة قوات النظام على المناطق المتنازع عليها بدلاً من قوات سوريا الديمقراطية، حيث أبدى الأتراك اعتراضهم على دخول سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مدينة الرقة، مقابل عدم الاعتراض على المقترح الروسي بتسليم الرقة إلى النظام السوري بعد تحريرها من “داعش”، وذلك لإدراكها ضعف النظام وعدم قدرته على التحرك دون الدعم الروسي، في حين لا ترغب أنقرة بإفساح المجال لحزب الاتحاد الديمقراطي لربط كانتوني كوباني وعفرين في شمال سوريا وإقامة كيان مستقل شمال سوريا على حدودها.

وقد استغل الروس الخلافات الأمريكية-التركية لفرض سيطرة قوات النظام السوري على منبج والمنطقة المحيطة بها في الثالث من شهر مارس، حيث وجد أردوغان نفسه مضطراً للاستجابة لضغوط بوتين الذي أكد له أن استمرار تركيا في التشدد مع النظام سيدفع ببشار الأسد إلى منح حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب منطقة حكم ذاتي على الحدود التركية، خاصة وأن واشنطن تعمل على المشروع نفسه، مما يتطلب تعاوناً بين موسكو وأنقرة ودمشق للحد من الطموحات الكردية.

وفيما يؤكد وجود توجهات إقليمية و دولية لإعادة تأهيل نظام بشار أكدت صحيفة “واشنطن بوست” أن سيطرة النظام على مدينة تدمر تمت بمساعدة “حزب الله” اللبناني والجيش الروسي والضربات الجوية الأمريكية، حيث نفذ سلاح الجو الأمريكي 45 غارة جوية على تدمر تمهيداً لتقدم قوات النظام.

كما شاركت في عملية تمكين النظام في  تدمر مقاتلات روسية من طراز “سوخوي-24، سوخوي-25″، “سوخوي-30″، “سوخوي-34″، ومروحيات “كاموف-52” والطائرات من دون طيار، إلى جانب القوات الخاصة الروسية التي شاركت إلى جانب النظام، بعد توافق دمشق وموسكو على أن يكون حقل الشاعر لإنتاج النفط والغاز خاضع لسيطرة الروس. 

وقد تمت عملية تسليم تدمر للنظام بالتزامن مع تسليم الوحدات الكردية المدعومة أمريكياً مناطق كانت تحت سيطرتها في محيط منبج للنظام، وذلك بهدف منع الأتراك وحلفائهم في الجيش الحر من بسط سيطرتهم عليها، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية قد سيطرت على مدينة منبج بفضل الطيران الأمريكي قبيل انطلاق عملية “درع الفرات” المدعومة من تركيا.

أما على صعيد التقارب بين القاهرة مع نظام دمشق؛ فقد نشرت مجلة “فورين أفيرز” تقريراً تناولت فيه دوافع تضحية السيسي بعلاقاته التاريخية مع المملكة العربية السعودية من أجل نظام بشار الأسد، حيث تواترت الأنباء حول إرسال القاهرة قواتٍ لمساعدة النظام ضد معارضيه، وأكد السيسي لقناة تلفزيونية برتغالية بوضوح أنه يدعم النظام السوري، ورأى التقرير أن السبب في ذلك يكمن في العداء المستحكم بين القاهرة ودمشق من جهة والإسلاميين الذين يشكلون البنية الأساسية للقوات التي تقاتل النظام من الجهة الأخرى، كما يجمع بينهما العداء المستحكم لحكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن الدافع الأكبر بالنسبة للسيسي هو رغبته في إقامة علاقة تعاون مع الروس، من أجل الحصول على مختلف أنواع الأسلحة بدءاً من مروحيات الهليكوبتر، مروراً بالتدريبات العسكرية المشتركة، وصولاً للطاقة النووية، كما ترغب القاهرة بمد يد التنسيق والتعاون لإدارة ترامب التي يبدو أنها لا تمانع من بقاء بشار الأسد.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018