مساعٍ أمريكية لإبعاد أنقرة عن محور موسكو-طهران

تتحدثت مصادر عسكرية عن سعي واشنطن لكبح مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية غربي الفرات ضمن محاولة لإصلاح العلاقات المتعثرة مع أنقرة، حيث ترغب تركيا في سحب الأكراد من مدينة منبج السورية ونقلهم إلى الشرق من نهر الفرات، وإذا تم تنفيذ التعهدات الأمريكية فإن ذلك سوف يحقق وعداً سابقاً قدمته إدارة أوباما لإبقاء القوات الكردية شرقي النهر.
ولم يُحدَد المسؤولون الأمريكيون أيَ جدول زمني لنقل الأكراد من منبج إلى مواقع شرق الفرات على بعد 20 ميلاً، ولم يوضحوا كيف سيتم إنجاز عملية النقل، مؤكدين أن تلك الإجراءات ستتم مناقشتها من قبل مجموعات العمل المنشأة حديثاً من الحكومتين الأمريكية والتركية، والتي عقدت جلستها الأولى يومي الخميس والجمعة (15-16 مارس 2018) في واشنطن، حيث يترجَّح احتمال التوصل إلى صفقة حول “منبج” قد ينتج عنه قدر من التهدئة.
ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن المحلل في الشأن التركي في مركز سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي نيكولاس دانفورث قوله إن الحكومتين لديهما أسباب مقنعة لتهدئة نزاعاتهما. إذ إنه إذا تصاعد الخلاف، فستواجه حكومة الولايات المتحدة إمكانية التراجع عن استخدام القواعد العسكرية في تركيا، في حين تدرك تركيا أن تدهور العلاقات مع واشنطن قد يضر باقتصادها، ورأى دانفورث أن التوترات قد هددت الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف المشتركة بين البلدين في سوريا. إذ إن تركيز تركيا الوحيد على المقاتلين الأكراد قد أعاق القتال ضد “تنظيم الدولة” وأضعف موقف أنقرة في المفاوضات لإنهاء الصراع السوري.
جاء ذلك بالتزامن مع تسريب مسودةاتفاقية تركية-أمريكية بشأن منبج تنص على انسحاب “قوات سوريا الديموقراطية” إلى شرق النهر مع الاحتفاظ بقاعدة في السد تحت الإشراف الأمريكي المباشر، وإقامة مراكز شرطة وأمن ورقابة تحت إشراف دولي (أمريكي -تركي)، وذلك في مقابل تعهد تركيا بعدم وجود أية فصائل عسكرية منفصلة أو فوضى سلاح لا تتبع للرقابة الأمنية الصارمة، بالإضافة إلى الاعتماد على أبناء المنطقة في تولي المهام الأمنية وتطويعهم لهذه المهمة.
وتخشى واشنطن من انخراط أنقرة في المزيد من الترتيبات العسكرية مع موسكو وطهران، فيما لا يخدم مصالحها شمال شرقي سوريا، حيث تحدثت مصادر مطلعة عن زيارة قام بها مسؤول عسكري روسي رفيع المستوى لدمشق حاملاً رسالة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى بشار الأسد، تحدد نقاط انتشار قوات النظام شمال حلب مقابل الجيش التركي، ما يعني ترك عفرين والشمال السوري إلى التفاهمات الروسية-التركية-الإيرانية، وقام المبعوث الروسي بتسليم الجانب السوري خرائط انتشار نقاط المراقبة لقوات النظام شمال البلاد، بحيث يتم نشر 10 نقاط قرب أعزاز وتل رفعت ونبل والزهراء التي تسيطر عليها قوات الحكومة وحلفاؤها من تنظيمات تدعمها إيران لتضاف إلى 7 نقاط أخرى أقيمت سابقاً، على ألا تقترب هذه النقاط من عفرين التي قضت التفاهمات بين موسكو وأنقرة وطهران بأن تذهب إلى الجيش التركي وفصائل تدعمها أنقرة.
وفي مقابل هذه النقاط، سيقيم الجيش التركي 12 أو 13 نقطة مراقبة في أرياف إدلب وحماة وحلب، إضافة إلى مواصلة عملية “غصن الزيتون” لربط مناطق “درع الفرات” بين حلب وجرابلس ومناطق إدلب.
وتقضي التفاهمات الروسية-التركية بربط تركيا مناطق “درع الفرات” بعفرين، وتوسيع منطقة نفوذها لتكون الثالثة من حيث المساحة بعد منطقة النفوذ الأمريكي البالغة ثلث مساحة سوريا (185 ألف كيلومتر مربع) وقوات النظام وروسيا وإيران التي تسيطر على نصف مساحة البلاد.
ويسود الشعور في واشنطن أن روسيا أتاحت لتركيا مجال التحرك في الشمال السوري من أجل تعميق الانقسام التركي-الأمريكي والتركي مع حلف شمال الأطلسي، لكن المسؤولين في واشنطن يدركون في الوقت نفسه أن روسيا ليست حليفاً إستراتيجياً لتركيا على لمدى البعيد، وبالتالي، فإن تغيير الحسابات الروسية حول مستقبل سوريا يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في ميدان المعركة، الأمر الذي سيتيح لواشنطن مجال التوصل إلى تفاهمات إستراتيجية مع أنقرة في الشمال السوري.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018