نذر التصعيد العسكري تلوح في الجنوب السوري

تشهد المحافظات الجنوبية السورية حالة من الاستنفار عقب المناورات التي أجراها الجيش الإسرائيلي في شهر سبتمبر الجاري لمحاكاة هجوم على “حزب الله” بعمق 30 كم، ووفقاً لمصادر لبنانية فقد أطلق النظام يوم 11 سبتمبر صاروخ “إس-200” على مقاتلة إسرائيلية طراز “إف-15″، كانت تحلق فوق مدينة صيدا في جنوب لبنان دون أن تصيب هدفها.

وتشير هذه التطورات إلى رغبة إيران في إحداث متغيرات في قواعد اللعبة، إذ إنها المرة الأولى التي يُطلق فيها النظام صواريخ من إحدى قواعده على طائرة إسرائيلية تحلق فوق الأراضي اللبنانية، وذلك في أعقاب شن إسرائيل ضربة جوية على منشأة سورية لتطوير الصواريخ والأسلحة الكيميائية بالقرب من مصياف 38 كم غرب مدينة حماة.

وعلى الصعيد نفسه؛ تشير المصادر إلى أن إيران قد نشرت عدداً كبيراً من عناصرها جنوب غربي البلاد بصفة مستشارين وشرطة خصوصاً في مناطق “خفض التصعيد”، وذلك في أول رد على المناورات الإسرائيلية التي حاكت هجوم مفترضا على جنوب لبنان، مما يؤكد أن طهران تتعاون مع موسكو على تنفيذ إستراتيجية جديدة تتضمن إنشاء خط متصل على طول الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل.

تأتي تلك التسريبات بالتزامن مع سيطرة الفيلق الخامس التابع لجيش النظام على مناطق شاسعة من الحدود السورية-الأردنية (11 سبتمبر 2017) بما في ذلك أجزاءً قريبة من المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وذلك في ردٍ على المناورات مضمونه أن الحلفاء الثلاثة (إيران-النظام-“حزب الله”) باتوا متمترسين على الحدود الشمالية لتل أبيب.

في هذه الأثناء تُمعن طهران في إفساد الترتيبات الإدارية التي أبرمتها عمّان مع بغداد لإعادة تشغيل معبر “طريبيل” الحدودي بين البلدين، حيث تم تعطيل نحو 12 شاحنة محملة بالخُضَر أياماً عدة، بحجة وجود حاجة لرخص تصدير تخص كل شاحنة، الأمر الذي يرى فيه قطاع التصدير الأردني أنه مؤشر إلى تعقيدات إدارية وبيروقراطية، بالإضافة إلى فرض السلطات العراقية ضريبة تصل إلى 30% على المنتجات والبضائع الأردنية، وذلك ضمن سلسلة من العراقيل التي وضعها اللوبي الإيراني النافذ في بغداد لمنع تدفق البضائع الأردنية إلى العراق.

ويسير الأمر على الشاكلة نفسها في ملف فتح الحدود مع سوريا، فعلى الرغم من إعادة افتتاح معبر “نصيب” بصورة تجريبية بين عمّان ودمشق، إلا أن العراقيل بدت كبيرة للغاية، ويشعر الأردنيون أن إيران تعمل على استحداث عوائق أمنية لعرقلة المشروع، وذلك في محاولة من قبل طهران للتأكيد على أنها تمتلك القدرة على إفساد أية ترتيبات يتم التوصل إلهيا في الجنوب السوري ما دامت واشنطن وإسرائيل عازمتان على إبعاد القوات الإيرانية من المنطقة لمسافة 60-80 كم عن هضبة الجولان السورية المحتلة.

في هذه الأثناء؛ كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية عن اجتماع ضم ضباطا أمنيين من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مطلع شهر سبتمبر لبحث تقرير مفصل أعدته القيادة العسكرية الإسرائيلية حول المناورات العسكرية الأخيرة التي أجرتها إسرائيل على الحدود الشمالية المحاذية للبنان.

وتشير المصادر إلى أن تل أبيب قد وسَّعت خارطة مصالحها الإستراتيجية في سوريا بحيث تتضمن استهداف المنشآت التي تُستخدم من قبل إيران في تصنيع الوسائل القتالية والصواريخ داخل الأراضي السورية، وأوضحت المصادر أن المنشأة العسكرية التي قصفتها إسرائيل مؤخراً في “مصياف” بالقرب من حماة متخصصة في إنتاج صواريخ ذات دقة كبيرة ما يعني أنه سيكون بالإمكان استخدامها ضد الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تنفذ غارات في أجواء سوريا.

وشددت المصادر على أن إسرائيل باتت ترى أن “تحييد” المنشآت العسكرية الإيرانية في سوريا على رأس أولوياتها، مشددة على أنها لن تكتفي فقط باستهداف قوافل السلاح التي تتجه من سوريا إلى مخازن “حزب الله” في لبنان، محذرة من أن السماح لإيران بإنتاج سلاح نوعي داخل سوريا يعني تمكين “حزب الله” من استهداف منشآت ومرافق حساسة داخل إسرائيل.

ووفقاً لتقارير سورية رسمية، هاجمت الطائرات الإسرائيلية مركز الدراسات والبحوث العلمية من داخل الأراضي اللبنانية في وقتٍ مبكر من صباح الخميس، 7 سبتمبر، حيث تعتقد كالة استخبارات غربية ومجموعات مراقبة أنَّ بشار الأسد يُطوِّر فيها مخزوناً من الأسلحة الكيماوية، وتزعم تقارير ألمانية أنَّ هذا الموقع هو الذي يُصنَّع فيه غاز الأعصاب VX، بالإضافة إلى غاز السارين، وغاز التابون الذي يُعد أقوى بثلاث مرات من السارين.

ودمّرت الغارة أجزاء كبيرة جدا من المركز نتيجة استهدافه بشكل مباشر من الطائرات الإسرائيلية بقنابل من طراز “GBU-28” المضادة للتحصينات تحت الأرض والتي تستطيع تدمير حصون أو ملاجئ بعمق حتى 35 مترا تحت الأرض.

وفي 24 أغسطس نشرت صحيفة “الجيمينير” في نسختها الألمانية تقريراً موثقاً للجنة من اللأمم المتحدة أكدت فيه اعتراض شحنتين كوريتين شماليتين على مدى الأشهر الستة الماضية كانت متجهة لجهة حكومية سورية مسؤولة عن البرنامج الكيميائي للنظام السوري، وأشار التقرير إلى دولتين اعترضتا الشحنات وأخطرت دولة أخرى لجنة الأمم المتحدة بأن هذه البضائع كانت جزءاً من عقد لهيئة التعدين وتنمية التجارة الكورية مع سوريا، ولم يتم تحديد أي من الدول الثلاثة التي تم الإشارة إليها في التقرير فيما اكتشفت مصادر أخرى وجود مهندسين وفنيين كوريين شماليين يعملون في مركز البحوث السوري الذي أشار تقريرالأمم المتحدة إلى تعاونه مع الهيئة الكورية للتعدين وتنمية التجارة الكورية (كي- أوه –إم- أي دي) وقد تم وضع الهيئة الكورية على القائمة السوداء للأمم المتحدة عام 2009 مع ممثلي الهيئة في سوريا وبذلك فقد تم ضبط الكوريين الشماليين كعادتهم القديمة وهم ينقلون و يتشاركون تقنيات ومواد صناعة أسلحة الدمار الشاملة المحظورة مع شريك مارق آخر.

ويبدو أن هذه العملية ستسهم في توسيع نطاق دوائر الاستهداف، فقد جاءت الغارة الإسرائيلية الأخيرة بعد مرور عشر سنوات من قيام المقاتلات وقوات المهام الخاصة الإسرائيلية بتدمير مفاعل سوري(الكبر) في 7 سبتمبر 2007 كان تحت الإنشاء من قبل كوريا الشمالية في ديرالزور، وكان مخصصا لخدمة البرامج النووية الإيرانية والكورية الشمالية وقد أحضرت القوات الخاصة الإسرائيلية معها أجزاء من المفاعل المدمر، وقد خدمت تلك العينات التي تم إحضارها من دير الزور الاستخبارات الأمريكية وأعطتهم مؤشرات حول القدرات والطموحات النووية لكوريا الشمالية في ذلك الوقت وكان بالإمكان حينها اكتشاف مساعي طهران وبيونغ يانغ لامتلاك القنبلة الهيدروجينية.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018