نذر تصعيد دولي غير مسبوق في الشمال السوري

تشير مصادر عسكرية غربية إلى أن السيطرة الأمريكية على مدينة الرقة سيشعل سباقاً دولياً للسيطرة على الأراضي التي تم إخلاؤها، ويذكي أوار معارك طاحنة بين مختلف القوى المتصارعة، وعلى رأسها: فصائل المعارضة، وقوات سوريا الديمقراطية، والميلشيات التابعة لإيران، وقوات النظام، بالإضافة إلى الجيش التركي، والحرس الثوري الإيراني، والقوات الأمريكية والروسية المرابطة في المنطقة.

وساهمت عملية إسقاط الولايات المتحدة مقاتلة تابعة للنظام (19 يونيو 2017) في إثارة المخاوف باندلاع حرب شاملة، خاصة وأن روسيا قد أعلنت روسيا لأول مرةٍ منذ بدء الصراع أنها ستتعامل مع أيِّ طائرةٍ مقاتلة أو طائرة بدون طيار تحلِّق غرب نهر الفرات “كهدفٍ عسكري”، وما تبعهامن اقتراب طائرةً حربية روسية مسافةِ خمسة أقدام من طائرة حربية أميركية فوق بحر البلطيق في 21 يونيو.

وترسم هذه التطورات، إضافة للخلاف الذي بدأ يطفو على السطح، بين “قوات سورية الديمقراطية” المدعومة أميركياً، وقوات النظام، سيناريوهات مفتوحة لتطور الوضع الميداني المتأزم جنوب غربي الرقة، مع اتهاماتٍ وجهتها القوات الكردية لنظام بشار الأسد، بمحاولة التقدم إلى مناطق سيطرتها وخاصة مطار الطبقة العسكري، حيث اتهمت “سوريا الديمقراطية” قوات النظام بقصف مواقعها جنوب غربي مدينة الرقة خلال الأيام القليلة الماضية، مؤكدة أنها ستردُّ بالمثل في حال استمرار قوات النظام التي باتت تسيطر على نحو 1700 كم مربع من مساحة الرقة، البالغة نحو 20 ألف كيلومتر مربع.

وأسهم قصف إيران 7 صواريخ كروز على المنطقة (18 يونيو 2017)، وما أتبعهامن إسقاط الولايات المتحدة طائرات إيرانية دون طيار في زيادة التوتر، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تعديل مواقع تحليقها بسوريا إثر تصاعد التوتر مع روسيا، وذلك  لضمان سلامة الطواقم الجوية الأمريكية التي تستهدف تنظيم “داعش”، ,سعي واشنطن الحثيث لإعادة الخط الساخن بين الجيشين الأميركي والروسي والذي يعتبر حيوياً في حماية قوات الجانبين العاملة في سوريا.

ومن جهة أخرى أسهمت سيطرة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران على مناطق حدودية بين العراق وسوريا في تعزيز سيطرة طهران على مناطق بالغة الأهمية في تأمين خط الربط والتواصل البرّي مع سوريا عبر الأراضي العراقية، وصولاً إلى لبنان وضفاف المتوسّط، مستفيدة من صمت تركيا التي يبدو أنها ترغب في وقوع اشتباكات بين وحدات حماية الشعب الكردية من جهة وقوات الحشد الشعبي من جهة ثانية، حيث تتصل المناطق العراقية التي سيطر عليها الحشد الشعبي بأراض خاضعة لسيطرة جماعات كردية سورية مدعومة من الولايات المتحدة على الجانب السوري من الحدود.

وبدا من خلال نمط التحالفات القائمة بين الميلشيات العراقية والإيرانية أن قاسم سليماني يعمل على تشكيل قوة “شبة نظامية” يبلغ تعدادها حوالي 100 ألف مقاتل، حيث يتوقع أن تتقدم قوات “بدر” للسيطرة على دير الزور، لإسناد قوات النظام وميلشيا “حزب الله” اللبناني التي تعرضت للقصف من قبل الأمريكا بالقرب من التنف، وتؤكد عملية إطلاق صواريخ “كروز” الروسية رغبة محور موسكو-طهران-بغداد-دمشق في منع القوات الأمريكية من السيطرة على المناطق الحدودية بين سوريا والعراق.

وحذر تقرير مدير الأبحاث في جامعة ليون فابريس بالونش من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية دولية في البادية السورية، كما أن الوضع الآن على الحدود بين العراق والأردن وسوريا يهدد بقيام مواجهة مباشرة بين قوات النظام وأمريكا، لافتاً الانتباه إلى أن الحدود الجنوبية لسوريا أصبحت بؤرة توتر كبيرة، حيث أصبح عدة شركاء في الحرب يتنافسون عليها بالنيابة عن رعاتهم الإقليميين، وأضاف: “يتمّ الإعداد لساحة معركة ما بعد تنظيم الدولة، بحيث أصبح الجزء الشرقي -غير المفيد- من سوريا، يستحوذ على أهمية استراتيجية أكبر بين المحور الشيعي والمحور السنّي، ولا بدّ من النظر إلى الهجوم الأخير الذي شنه النظام بين تدمر والحدود الأردنية من هذا المنطلق”.

ودفع تقدم الحشد الشعبي باتجاه سوريا “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي لتحذير الحشد الشعبي العراقي من دخول المناطق التي يسيطر عليها في شمال شرقي سوريا، حيث قال رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم: “إن مكان الحشد الشعبي هو العراق وليس سوريا، وما يقررونه ضمن أراضيهم في داخل العراق هم أحرار فيه، لكن ليست لهم علاقة بسوريا”، محذرا الحشد من الدخول إلى  المناطق التي يسيطر عليها الحزب في شمال شرقي سوريا.

ومن جهته؛ أكد المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية مضر حماد الأسعد: “إن دخول قوات الحشد الشيعي العراقي إلى سوريا بلا شك هو احتلال وانتهاك صريح لأراضي دولة أخرى، ما سيزيد الأمر تعقيداً في المشهد السياسي والعسكري والأمني والإنساني في سوريا، خاصة مع المعلومات والأخبار القادمة من العراق، التي تؤكد ارتكاب الحشد لمجازر مروعة بحق الأهالي في المناطق التي دخل إليها وفق التعليمات والأوامر التي ينفذونها من إيران وقاسم سليماني”.

وأشار الأسعد إلى أن العشائر والقبائل السورية في الحسكة ودير الزور إلى أن انتهاك الحشد العراقي للحدود السورية، “سيجعل الشعب السوري في حالة مقاومة شعبية من أجل التصدي لمخططهم الطائفي الذي يسيرون عليه، أثناء دخولهم للأراضي السورية من أجل مساعدة النظام السوري للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض، خاصة المناطق الغنية بالنفط والغاز لحاجة النظام السوري إليها بعد اتفاق تقاسم الثروات النفطية في محافظة الحسكة بين النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي”.

وعبرت مصادر ميدانية عن قلقها من أن يؤدي تموضع الميلشيات الشيعية مقابل الوحدات الكردية إلى مواجهات يصعب السيطرة عليها، وذلك في ظل تقدم جيش النظام في القامشلي والحسكة والبادية السورية، حيث يُتوقع أن تصل المواجهات مداها في ظل سعي كافة الأطراف للهيمنة على المناطق الإستراتيجية شرقي الفرات.

وقد أسهم دخول ميليشيا “قوات حرب العصابات الشعبية الثورية”(IRPGF)  الكردية “الأناركية” إلى جانب ميليشيا “وحدات حماية الشعب” في تعقيد الموقف، وإدخال عناصر جديدة في معادلن الصراع الدولي، خاصة وأن عناصر هذه الوحدة التي تطلق على نفسها اسم: “قوات حرب العصابات الشعبية الثورية -لتدمير الدولة في روجافا (شمال سوريا) وما بعدها”، قد ظهروا وهم يطلقون النار على صورة لرئيس جمهورية روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو في إطار ما وصفوه بـ “التضامن” مع الشعب البلا روسي، معبرين عن استعدادهم في القتال ضد أي دولة في العالم.

وسبق أن قاتل عناصر من هذه الفرقة في مدينة “الشدادي” جنوب الحسكة، ومع كل معركة يشاركون فيها ينشرون صوراً ومقاطع فيديو يتحدثون فيها بلغات أوروبية يحددون فيها المسافة التي تفصلهم عن مدينة الرقة أهم معاقل تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا.

يذكر أن حزب “الاتحاد الديمقراطي” أعلن عام 2015 عن تشكيل كتيبة تضم المقاتلين الأجانب غير الأكراد أطلق عليها اسم “الحرية العالمية” وباشر هؤلاء بأسماء حركية كردية القتال على الجبهات كتشكيل عسكري مستقل، واتخذوا معسكراً لهم في مدينة “رأس العين” شمال الحسكة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018