واشنطن ترغب بإبرام تفاهمات “غير معلنة” لتخفيف الاحتقان وتقاسم مناطق النفوذ

يدور الحديث عن اتفاق أمريكي-روسي غير معلن يتضمن توزيع الجبهات ضد “تنظيم الدولة” وتقسيم مناطق السيطرة على الحدود السورية ــ العراقية، بحيث يحصل الأمريكان على “منطقة أمان” تمتد ضمن نطاق دائري يبلغ قطره نحو 70 كم من قاعدة التنف، فيما تعود للجانب الروسي وحلفائه السيطرة على المناطق الباقية من البادية الحدودية شمالاً، باتجاه مناطق وادي الفرات. ويترك هذا الاتفاق للفصائل المدعومة أميركياً السيطرة على معبر التنف مع العراق، فيما يتيح لقوات النظام وحلفائه التقدم نحو معبر القائم المقابل لمدينة البوكمال السورية. كما يفرض خطوط “منع تصادم” بين الجانبين على حدود المنطقة الدائرية.

ولم تكن عملية قصف الولايات المتحدة للميليشيات الموالية للنظام السوري وهي تتقدم قبل أيام باتجاه معبر التنف، سوى عملية عابرة، بدت وكأنها اشتباك طارئ غير مستند لرؤية إستراتيجية ثابتة في سوريا، كما إن لهجة الأمريكيين، في وصف عملية القصف، تحدثت عن وجود الميليشيات الشيعية المساندة للنظام في منطقة عدم اشتباك “متفق عليها مسبقاً”، وهذه تعبيرات تظهر أن الأمريكيين والروس بينهم “اتفاق مسبق” لمنع التصادم بين القوات الحليفة لكل منهما.

ولم تمر ساعات قليلة على القصف الأمريكي حتى عاودت قوات النظام والميليشيات الشيعية الموالية لها التقدم لعشرات الكيلومترات على الطريق المؤدي لمعبر التنف لتتجاوز نقطة “ظاظا” وتسيطر على الكتيبة المهجورة وتصل لنقطة “الزرقة” ثم “استراحة الشحمة”، وسط انباء عن إخلاء قوات الفصائل المدعومة من البنتاغون لموقعها على الطريق المؤدي لمعبر التنف.

ونشرت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” (30 مايو 2017) مقالاً أشار فيه الباحث الروسي “ألكسندر شاركوفسكي” إلى تناقض المعلومات الواردة مؤخراً من سوريا، وقال شاركوفسكي: “يمكن ملاحظة متغيرات إيجابية في العمليات التي تقوم بها القوات الحكومية السورية (بدعم من القوة الجو-فضائية الروسية) والوحدات الكردية (المدعومة من التحالف الدولي) ضد “داعش”، ومن جانب آخر، تقترب اللحظة التي ستختفي عندها المنطقة العازلة، التي تمثلها داعش، بين القوات المدعومة من جانب موسكو، وبين تلك المدعومة من جانب واشنطن، لتظهر حالة غامضة”، ورأى أن التقارب مع إسرائيل سيساعد روسيا على تسوية العديد من المشكلات، بما فيها العلاقات مع الغرب”.

وأشار موقع “هفنغتون بوست” (29 مايو 2017) إلى أن إيران تلقت التهديدات الأمريكية بتشكيل تحالف إستراتيجي ضدها برباطة جأشٍ مُثيرة للدهشة، وذلك لأن إدارة ترامب أظهرت عملياً استعدادها لإبرام صفقاتٍ تجارية معها، حيث تستعد إيران لاستلام أسطولٍ من طائرات “بوينغ” الأميركية الصنع، وذلك نتيجة صفقتين بقيمة 22 مليار دولار تحصل عليها الشركة الأميركية. وكان آخر عقدٍ وُقِّع بين شركة تصنيع الطائرات الأميركية وشركة الطيران الإيرانية “إيران آسمان” بعد شهرين من أداء ترامب اليمين الدستورية كرئيس أميركا، ويبدو أنَّ ترامب، الذي كانت حملته الرئاسية، أمريكا أولاً، تعتمد جزئياً على التعهُّد بإيجاد فرص العمل، لم يكن حريصاً على إلغاء أمرٍ كان من المتوقع أن يُوفِّر 18 ألف فرصة عمل.

كما بادر ترامب في شهر أبريل الماضي إلى تقديم تنازلات جوهرية عن بعض العقوبات على إيران والتي تسمح باستمرار الاتفاق، وتُمكِّنها من إبرام صفقاتٍ تجارية دولية، والحصول على الأرصدة التي جمَّدتها الولايات المتحدة منذ فترةٍ طويلة، ويبدو أن واشنطن ترغب في فتح مجال للتسوية بحيث تُرخي الولايات المتحدة قبضتها عن الاقتصاد الإيراني مقابل تقديم إيران بعض التنازلات في الشؤون الإقليمية.

وعلق المُحلل الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين، على ذلك بقوله: “ترامب، وتيلرسون، وغيرهم، هذه إدارةٌ مكوَّنة من رجال أعمال، إنَّهم يحلون المشكلات بالتفاوض وليس بالقتال”.

وعلى الصعيد نفسه؛ كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن استمرار التواصل العسكري بين القوات الأمريكية والروسية في سوريا، ونقلت عن اللفتنانت الجنرال جيفري هاريجيان، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، أن الخط الساخن لتجنب الصراعات الجوية في سوريا لم ينقطع بين موسكو وواشنطن.

وأكدت الصحيفة أن الخلاف الدبلوماسي بين روسيا وأمريكا حول مصير بشار الأسد، لم ينعكس على أجواء التواصل بين جنرالات البلدين في سوريا، حيث إن المجال الجوي السوري والمزدحم بالطائرات بحاجة إلى تنسيق المواقف؛ تجنباً لأي حوادث يمكن أن تقع.

وكان التنسيق العسكري بين واشنطن وموسكو قد بدأ إثر التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر 2015؛ وذلك لمنع وقوع أي حوادث جوية، وتم فتح خط ساخن بين جنرالات البلدين، ومن خلاله تم تنبيه الروس إلى الهجوم الذي شنته واشنطن على مطار الشعيرات في السابع من أبريل الماضي. وعلى الرغم من ردة الفعل الغاضبة من طرف الروس حيال الغارة الأمريكية إلا أن التنسيق العسكري والخط الساخن بقي مفتوحاً، حيث سعى الجيش الأمريكي، وفقاً للصحيفة، إلى الإبقاء على خط التبادل العسكري مع موسكو مفتوحاً، وذلك لتنسيق ضرباته الجوية على مواقع تابعة لتنظيم الدولة، وقد تمت الاتصالات بين موسكو و واشنطن في سوريا على مستويات عسكرية عليا، كما أن هناك نية لتوسيع الاتصال بين الجانبين وزيادة التنسيق العسكري خلال الفترة المقبلة.

وأكدت مصادر رسمية أردنية عقد مفاوضات أمريكية-روسية في عمان بشأن إقامة منطقة آمنة في الجنوب السوري، على الحدود مع المملكة، وذلك مع اقتراب انتهاء مهلة دولية للإعداد لإقامة مناطق لوقف التصعيد في سوريا، مؤكدة أن الأمريكان والروس قد “أغرقوا” في التفاصيل ضمن سلسلة من المقايضات التي تعتقد عمان أنها في مجمل المشهد وفي النهاية مرتبطة بتقاسم كعكة مشاريع إعادة الإعمار، حيث تتحدث موسكو مبكراً عن مناطق “خفض التوتر” وتتحدث واشنطن عن “مناطق معزولة أمنياً”، في حين يركز حلفاء واشنطن في غرفة “موك” على أن تشمل المناطق الآمنة حوض نهر اليرموك والمثلث الصحراوي بين العراق وسوريا والأردن وبادية الشمال وجنوب هضبة الجولان.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018