المآلات المتوقعة لمعركة الغوطة في ظل التخبط الروسي

تبدو موسكو غارقة أكثر من أي وقت مضى في أوحال الأزمة السورية، حيث يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تبعات إخفاق وزير خارجيته في “مؤتمر سوتشي”، وتدهور علاقات وزير دفاعه مع تل أبيب جنوب سوريا، وانهيار مشروع “خفض التوتر” في الشمال، وفشل مقامرة شركاته الأمنية ضد الولايات المتحدة في الشرق، وتخبط حلفائه في عملية الغوطة الشرقية التي سببت له حرجاً دبلوماسياً وإنسانياً غير مسبوق.
فعلى الرغم من حملة القصف الدموية والزج بقوات النظام والميلشيات، وتزويدهم بشحنات ضخمة من الذخائر الجوية من مختلف العيارات مثل قنابل “FAB” و”OFAB” شديدتي الانفجار، والقذائف المضادة للتحصينات عيارات (100و120 و250 و500)، والقنابل العنقودية”RBK” ؛ إلا إن هذه الهجمة غير المسبوقة لا تزال عاجزة عن حسم المعركة.
ومثل دخول قوات الحرس الجمهوري وفرقة “النمر” كارثة كبيرة للإستراتيجية العسكرية الروسية، حيث تم تكليفهم باقتحام الغوطة من عدة محاور، بغطاء جوي وقصف مكثف من مدافع “مستا-بي” من عيار 152 ملم، و”إم-30″ عيار 122ملم، إلا أن عملية الاقتحام باءت بالفشل الذريع، الأمر الذي دفع بمحللين غربيين للتأكيد على أن بوتين وحليفه بشار الأسد قد أساءا التقدير، إذ إنهما لا يزالان عاجزين عن حسم معركة الغوطة لإتمام السيطرة على العاصمة وبالتالي الانتصار في الحرب التي أعلن بوتين انتهاءها فيها في شهر ديسمبر الماضي، إذ إنه يجد نفسه مضطراً لخوض واحدة من أشرس المعارك في قلب العاصة دون تحقيق أي تقدم يذكر.
وتتجلي الحقيقة المرة لبوتين في أن سوريا بشكلها الحالي غير قابلة للحكم، وأن قواته تغرق أكثر فأكثر في مستنقع الحرب، حيث خسر شرقي البلاد أكثر من 300 مرتزق روسي بين قتيل وجريح، في حين بات اعتماد نظام الأسد شبه كامل على الدعم الإيراني، مع تزايد عجزه عن تحقيق أية مكاسب على الأرض.
وكان من المفترض أن يُعلن بوتين في “مؤتمر سوتشي” عن نصر دبلوماسي يتزامن مع إعلان انتصاره العسكري، ويعمد من خلالها إلى تهميش الوساطة الأممية وتثبيت مكتسبات موسكو على الأرض؛ إلا إن المؤتمر مثل إحراجاً كبيراً للدبلوماسية الروسية نتيجة العنف الذي وصل درجاته القصوى في إدلب والغوطة الشرقية، بحيث تحولت الدول الضامنة لخفض التوتر إلى دول متورطة في إذكاء الصراع وارتكاب جرائم مروعة بحق المدنيين.
وتسود مشاعر القلق في الخارجية الروسية من قيام تحالف الكرملين-وزارة الدفاع بوأد جميع المكتسبات التي تم تحقيقها مع أنقرة وطهران في اجتماعات أستانة، والتنصل من التوافقات التي تم التوصل إليها مع الوسيط الأممي بجنيف، فضلاً عن إلغاء الاتفاقيات المبرمة مع واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي سيبدد الدبلوماسية الروسية برمتها ويغرق موسكو في مستنقع المواجهات العسكرية مع نفس القوى التي كانت تبحث عن سبل التوافق معها للتوصل إلى صيغة حل مشترك.
وللخروج من مأزقه الحالي؛ يحاول بوتين تكرار تجربة حلب في الغوطة الشرقية، حيث يعمد إلى إنهاك الدبلوماسية الدولية بتفاصيل صياغة القرارات الأممية، والمماطلة في تطبيقها، بالتزامن مع استخدام القوة المفرطة لإنهاك الفصائل ودفع الفصائل والمدنيين للقبول باتفاقيات مجحفة تقوم على أساس التهجير القسري.
إلا أن موسكو تدرك في الوقت نفسه صعوبه التخلص من ثوار الغوطة بالطريقة التي تم فيها اختراق فصائل حلب ودفعهم إلى الانسحاب، فعدد المقاتلين في الغوطة أكبر، وقدراتهم الدفاعية أقوى، وفرص حملهم على الانسحاب ضئيلة في الوقت الحالي، فضلاً عن رفض سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 400 ألف نسمة المغادرة.
وتفتح حالتي الاحتباس الدبلوماسي والعسكري المجال واسعاً لأحد السيناريوهات الأربعة التالية:
1- الاستفادة من الضغوط الدولية للتوصل إلى اتفاق لتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 وفق الرؤية الروسية، والتوصل من خلالها إلى البنود التي عجز مؤتمر سوتشي عن تحقيقها.
2- التعويل على وساطة مصرية تضمن خروج مقاتلي تنظيم القاعدة وإعادة تثبيت اتفاق “خفض التصعيد”، ومنع قصف السفارة الروسية أو أية أهداف أخرى في دمشق، ويرى البعض إمكانية توظيف العلاقة الوطيدة بين ممثلي بعض الفصائل مع قيادي بمنصة “القاهرة” للتوصل إلى اتفاق ترعاه مصر.
3- توجه واشنطن وتل أبيب لإضعاف التحالف الروسي-الإيراني من خلال توجيه ضربات نوعية غير مباشرة تهدف إلى تشتيت حلفاء موسكو على الأرض وفرض واقع عسكري مغاير شرقي البلاد وجنوبها.
4- انفكاك الفصائل من حالة التبعية المفرطة للقوى الداعمة، وخروجها من وهم “الحفاظ على اتفاقيات خفض التصعيد”، والمبادرة إلى فتح عدة جبهات تربك الإستراتيجية العسكرية للنظام وحلفائه، وتخلط التفاهمات الدولية بصورة تمكنها من تحقيق دور فاعل في العملية الانتقالية، بدلاً من “تخويل” الدول الضامنة بتمثيلها في المحافل الدولية.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018