ضعف الثقة بين محور “موسكو-طهران-أنقرة” يؤثر على سير العمليات في إدلب

تشير المعلومات الميدانية إلى أن العملية التركية في إدلب قد بدأت بصورة متعثرة، فبعد مرور أسبوع على تصريح الرئيس التركي أردوغان (7 أكتوبر) بشن عملية عسكرية لتحرير إدلب؛ تبين أنه قد طلب من الجيش التركي قصر عملياته على إطلاق نيران المدفعية عبر الحدود، في حين لم تحلق ولو طائرة واحدة من سلاح الجو التركي في الأجواء السورية، ولم تقم فصائل الجيش الحر إلا في مهمات “استكشافية” داخل الأراضي السورية.

ويبدو أن هنالك حالة من عدم الثقة بين القوى الثلاث (أنقرة وموسكو وطهران) التي اتفقت على شن عملية مشتركة في سوريا، بينما تحجم القوى الثلاثة عن الزج بقواتها البرية في أتون المعركة المرتقبة.

وتتهم طهران وموسكو أنقرة بإقامة علاقات سرية مع الفصائل السنية “المتطرفة” في إدلب، في حين لا يرغب أردوغان أن يظهر بعيون السنة السوريين بمظهر المتعاون مع علويي سوريا و شيعة “حزب الله”، بل يرغب في دفع طهران للزج بالميلشيات التابعة لها في إدلب مما يتيح له مجال القيام بدور الوساطة بينهم وبين “هيئة تحرير الشام”، في حين يرفض الروس التخلي عن الدور الذي لعبوه على مدى العامين السابقين من خلال تقديم الدعم الجوي للقوات البرية الحليفة دون الزج بأية قوات برية في المعركة، حيث تختلف جغرافية إدلب عن مدينة حلب المأهولة بالسكان، إذ تمتد إدلب على مساحات واسعة تزيد على 6000 كيلومتر مربع، كما أن سكانها البالغ عددهم مليوني نسمة موزعين على نطاق واسع في مواقع صغيرة، ولا توجد طريقة للسيطرة على المحافظة من خلال الاقتصار على الضربات الجوية فقط.

وجاء دخول القوات العسكرية التركية من معبر أطمه الحدودي نحو دارة عزة، برفقة رتل مسلح من هيئة تحرير الشام، ليؤكد المخاوف الروسية-الإيرانية بوجود تفاهمات بين تركيا و”هيئة تحرير الشام” حول العملية التركية التي جاءت على صورة “انتشار” وليس “اشتباك” مع القوات المحلية في إدلب، وذلك في أعقاب مفاوضات جرت بين الأتراك و”هيئة تحرير الشام”، وتم الاتفاق من خلالها على عدم الزج بفصائل “درع الفرات” في ريف إدلب، واقتصار القوات التركية على نشر نقاط مراقبة، من خلال قوات ومعدات غير هجومية وذلك بهدف تشكيل “حزام أمني” حول منطقة عفرين الكردية، في ثلاث نقاط متفق عليها، تتمركز قرب دارة عزة في جبل سمعان، وقرب تل رفعت، وأخرى قرب بلدة جنديريس جنوب عفرين، وذلك في محاولة تركية لعزل المنطقة الكردية في أقصى شمال غرب سوريا، ومنعها من التمدد شرقاً نحو اعزاز.

ونتيجة لتلك التفاهمات فإنه قد نتج في المراحل الأولى من العملية حالة من عدم الثقة بين الأطراف الثلاث، حيث يركز الأتـــراك اهتمامهم على عفرين، بينما تبدي إيران اهتمامها بوضع بلدتي كفريا والفوعة الشيــعيتين، في حين تتحدث روسيا عن القضاء على تنظيم القاعدة في إدلب، الأمر الذي سيدفع بموسكو في مرحلة لاحقة للعمل على انسحاب القوات التركية من المناطق التي دخلوها بهدف إعادتها إلى سيطرة النظام، وتمكينه من السيطرة على المحافظة.

وعلى الرغم من أن تركيا تنفي إقامة أي اتصال مباشر مع الأسد، إلا أنها ترى في المشروع الكردي خطراً أكبر على أمنها القومي من نظام الأسد، وقد تنسحب في مرحلة لاحقة حتى تتيح لروسيا إطلاق معركة تهدف إلى إنهاء آخر وأكبر معاقل المعارضة السورية تمهيداً لإنهاء الحرب في سوريا وحسمها لمصلحة النظام.

ويبدو أن هنالك اتفاقيات ضمنية لم يتم الإعلان عنها بين موسكو وأنقرة لمنع التحالف الأمريكي-الكردي (حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الكردية) تصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط الذي يقدر حجمه بأكثر من 13 ترليون متر مكعب، وحجم الغاز المسال بنحو 9 مليون متر مكعب، ونحو 3.5 مليار برميل من النفط الخام، حيث ترغب القوتان في منع حزب الاتحاد الديمقراطي من الاستحواذ على تسويق نفط شمال العراق إلى العالم عبر هذا الخط، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال السيطرة على إدلب.

ولذلك فإنه ليس من المصادفة أن تأتي العملية بالتزامن مع إعلان وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة النظام (9 أكتوبر 2017) بإطلاق خط بحري بين مرفأ اللاذقية وميناء نوفورسييسك الروسي، وذلك بالتعاون مع شركة “سيما سي جي إم” الروسية، حيث سيمر الخط الجديد عبر تركيا من مضيق البوسفور، إذ يتوقع أن تنطلق السفن من مرفأ اللاذقية إلى ميناء مرسين التركي، ثم أوديسا وصولاً إلى ميناء نوفورسيسك الروسي في رحلة تستغرق سبعة أيام.

في هذه الأثناء بادرت مؤسسة البريد التركية “PTT” إلى افتتاح أول فرع لها على الأراضي السورية بمدينة جرابلس، وتحضر في الوقت الحالي لافتتاح فرع ثانٍ في مدينة الباب، كبرى مدن الريف الحلبي، وذلك لتوفير خدمات إيصال الرسائل والطرود والحوالات المالية، مما يؤكد توجهات أنقرة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الشمال السوري خلال المرحلة المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018