مصادر عسكرية ترى صعوبة تفادي وقوع حرب إقليمية في الجنوب السوري

تعمل تل أبيب على تنفيذ خطة انتشار جديدة تهدف إلى منع اقتراب أو تواجد القوات الإيرانية والميلشيات الحليفة لها بالقرب من حدودها، وذلك في رد فعل على محاولة طهران تعزيز وجودها في مرتفعات الجولان.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد طالبت بإبقاء الإيرانيين على بعد ستين كيلومتراً من الحدود، شرقي طريق دمشق-درعا، لكن لم يتم الوفاء بطلبها، وتم إبعادهم لمسافة خمسة كيلومترات فقط عن خطوط التماس، مما يجعل القوات الإيرانية على بعد 20 كلم عن الحدود وسط مرتفعات الجولان، وعلى بعد خمسة كيلومترات فقط في شمالها.
وكرد فعل على تجاخل مطالبها؛ بدأت إسرائيل في استهداف منشآت عسكرية سورية، ومواقع مرتبطة بإيران إضافة لقوافل الأسلحة الموجهة إلى “حزب الله”، كما عمدت إلى تكثيف المساعدات التي تقدمها لنحو سبع جماعات مسلحة في الجولان تتضمن أسلحة وذخائر وأموال، وضاعفت من حجم المساعدات التي تقدمها للقرى السورية القريبة منها في الجولان السوري.
ورأت دراسة لمعهد “بروكينغز” أن حرباً أخرى بين إسرائيل و”حزب الله” باتت أمراً لا مفر منه في ظل الاحتقان السياسي والتوتر العسكري، حيث يتوقع أن يفضي هدوء حدة القتال ضد تنظيم “داعش” إلى فض “شراكات المصلحة” التي تم إبرامها في المرحلة السابقة، مما يضع تل أبيب على حافة حرب إقليمية أكبر من الحرب الأخيرة في عام 2006 عندما غزت جنوب لبنان.
وترى تل أبيب أن الميزان العسكري قد تحولت بصورة مقلقة لصالح إيران، فحدودها مع سوريا باتت مشتعلة، وقد تدفع المخاوف بشأن تزايد قدرات “حزب الله” لشن عملية استباقية تمنع الحزب من إنشاء مصانع للأسلحة، حيث يتوقع أن يقع الجزء الأكبر من المواجهات على الأراضي السورية، إذ إن ترسيخ حضور الحزب داخل سوريا جعل منطقة الجولان عرضة لمزيد من الهجمات الإسرائيلية.
ويجادل قياديون عسكريون في تل أبيب بضرورة منع تحول الهيمة الإيرانية إلى واقع إستراتيجي، فقد كان سلاح الجو الإسرائيلي يقصف بحرية سائر الأهداف التي يحددها في الأراضي السورية، إلا أن استهداف مقاتلاتها بمنظومات صاروخية روسية قد حد من قدرتها على كبح جماح إيران.
ووفقاً لتقرير “ديبكا” الاستخباراتي (3 فبراير 2018) فإن المسؤولين الإسرائيليين يشعرون بسخط غير مسبوق من مشروع “حزب الله”-إيران لإنشاء أربعة مصانع صواريخ بالستية في سوريا ولبنان ذات منظومات إصابة دقيقة.
وقد أثبت هذا المشروع بأنه غير قابل للتعطيل؛ فخطوط التجميع قادرة على إنتاح آلاف الصواريخ الإيرانية المزودة بأنظمة توجيه دقيقة لتضاف إلى ترسانة “حزب الله” المتزايدة، ويبدو أن عمليات القصف الموضعي للطيران الإسرائيلي غير قادرة على إيقاف تلك البرامج، الأمر الذي دفع نتنياهو لتحذير بوتين من أن: ” إسرائيل لن تصبر حتى تتوصل الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق حول سوريا لإضعاف قبضة إيران العسكرية هناك”، مؤكداً أن الأمور وصلت الأمور إلى منعطف لم يبق معه خيار سوى شن حرب استباقية لإيقاف المخططات الإيرانية، وملاحقة وحدات “حزب الله” المنتشرة في الجنوب السوري.
في هذه الأثناء تعمل قوات النظام و”حزب الله” المتمركزة في “نبع الفوار” وبلدة “مزارع الأمل” و”الحيس” بريف القنيطرة الأوسط على تعزيز نقاط تمركزها وتزويد مواقعها بأسلحة ثقيلة، الأمر الذي دفع رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق اللواء احتياط غيورا آيلند للتأكيد على أن: “إيران مصممة على بناء قوة عسكرية في سوريا تكون خاضعة لإمرتها، وإسرائيل مصممة على منع ذلك… ومع عدم وجود صيغة ترضي الطرفين حالياً، فنحن على ما يبدو في انتظار مواجهات أخرى”، موضحا أن “الحكومة الإسرائيلية في هذه المرة، قررت أخذ المخاطر في المدى القصير لمنع تدهور استراتيجي في المستقبل”.
ورأى التقرير (16 فبراير 2018) أن الطريق بات مفتوحاً أمام مواجهة عسكرية في درعا التي تعتبر أول منطقة دخلت في مناطق خفض التصعيد الثلاثة، وتكمن أهمية هذه المحافظة في ثلاثة جوانب هي:
1- رغبة واشنطن في أن تكون منطقة أمنة لحماية حليفتها الأردن من جيش النظام والميلشيات الشيعية.
2- قربها من منطقة التنف التي تتواجد فيها حامية أمريكية، وقد تم الاتفاق على عدم اقتراب أية قوة منها على مسافة 50 كم.
3- أهمية درعا في إحكام السيطرة على القنيطرة التي تقع في منطقة الجولان السورية قبالة خطوط الجيش الإسرائيلي في الجولان السوريالمحتل.
ويبدو أن الأمور قد تعقدت عقب قرار ترامب إلغاء التفاهمات التي تم التوصل إليها مع الروس بشأن سوريا، واستبدال المسار الدبلوماسي بالعسكري، وتكليف مدير وكالة الاستخبارات المركزية بومبيو بلعب سياسة نشطة في سوريا حتى وإن ترتب على ذلك مواجهة مع الروس وحلفائهم.
ومثلت المعركة التي خاضتها القوات الأمريكية لمنع تقدم قوات النظام السوري والميلشيات الحليفة في شهر فبراير الماضي تحولاً واضحاً أظهر الاستعداد المطلق لاستخدام القوة العسكرية لمنع إيران من مد جسر بري عبر العراق وسوريا، وإفهام النظام بأنه لن يتمكن من بسط سيطرته على سائر الأراضي السورية بعد الآن.
وقد شجعت تلك التطورات تل أبيب للقيام بعمليات استباقية في درعا عقب إسقاط مقاتلة “إف-16″ إسرائيلية في العاشر من فبراير، حيث قامت القوات الإسرائيلية باستهداف صواريخ سورية-روسية وتدمير مراكز القيادة الإيرانية المنخرطة في التحضير للهجوم على درعا، وهاجمت بطاريات الدفاع الجوي للنظام خارج دمشق وفي درعا، وأغارت على ثلاث مقار سرية للإيرانيين هي:
1- مقر القيادة الإيراني في جاسم التي تقع على بعد 41 كم شمال مدينة درعا وعلى مقربة من تل الحارة الإستراتيجي الذي يمثل أهمية كبيرة للسيطرة على القنيطرة في الجانب السوري من الجولان.
2- المقر العسكري الإيراني في إزرع شمال مدينة درعا.
3- المقر الإيراني في مدينة سلمية التي تقع 33 كم عن جنوب شرق مدينة حماة.
وبعد أسبوع من هذه العملية؛ استأنف المسؤولون الروس والإيرانيون تحضيراتهم لمعركة درعا، حيث يبدو أن هنالك مواجهة أخرى تلوح في الأفق ينخرط فيها الروس والأمريكيون وكذلك الإسرائيليون وإيران والنظام و”حزب الله” في مواجهة قد تكون الأعنف من نوعها في الأراضي السورية,

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018