بعد اتفاق إدلب… خطة تصعيد أمريكية-إسرائيلية قد تفضي إلى مواجهات واسعة النطاق

في أعقاب الضربة الإسرائيلية لمستودع عسكري تابع لإيران في اللاذقية (18 سبتمبر)؛ ساد القلق لدى الأوساط العسكرية من اندلاع مواجهات بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والقوات الإيرانية والروسية من جهة ثانية، حيث حمّل المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف، إسرائيل المسؤولية على سقوط طائرة روسية من طراز (IL-20) ومقتل 15 عسكرياً على متنها، مؤكداً أن تل أبيب لم تحذر قيادة القوات الروسية في سوريا بعملياتها بالقرب من اللاذقية، في حين جاء البلاغ عبر “الخط الساخن” قبل أقل من دقيقة من توجيه الضربة، ما لم يسمح بانسحاب الطائرة الروسية إلى منطقة آمنة.
ووفقاً لتقرير أمني فإن هذه العملية تعتبر الأقرب إلى الدفاعات الروسية في قاعدة حميميم من بين 200 عملية قصف نفذها سلاح الجو “الإسرائيلي” خلال الأشهر الـ18 الماضية، وهو الأول من نوعه الذي تشن فيها تل أبيب عمليات قصف جوي وبحري مشترك ضد أهداف تابعة لإيران في الساحل السوري.
وأفاد التقرير أن المسؤولين الروس بدوا أكثر قلقاً من إمكانية وصول التقنيات المتقدمة لطائرة الاستطلاع، حيث سارعت القوات الروسية إلى القيام بعملية بحث واسع النطاق لاستعادة طائرتها (Ilyushin 20) والتي تعتبر منصة استخبارات إلكترونية متكاملة تعمل ضمن منظومة (ELINT)، ومجهزة بمجموعة واسعة من أجهزة الاستشعار البصرية، ومجسات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، وتوفر منظومة (SLAR) “الرادار المحمول جواً” إمكانية مراقبة الأجواء السورية على الهواء مباشرة.
وأشار التقرير إلى أن القوات المسلحة لدول الجوار، تبدي خشيتها من أن يفضي التصعيد الإسرائيلي (قصف المزة في 2و13 سبتمبر، ومطار خلخلة في 3 سبتمبر، واللاذقية في 18 سبتمبر) إلى هجوم أمريكي-إسرائيلي على مواقع نووية إيرانية في شهر أكتوبر المقبل، حيث أقر بولتون في اجتماعه مع مسؤولين أمنيين وعسكريين بتل أبيب خطة تصعيد واسعة النطاق ضد مواقع تابعة لإيران في المنطقة، ولم يتم الكشف عن تفاصيل تلك الخطة بعد.
وينوي ترامب التعجيل بإتباع العقوبات الاقتصادية وانهيار العملة الإيرانية بضربات جوية مكثفة ضد المواقع الإيرانية، كما يرغب في تحرك سريع يمنع الصين وروسيا من مساعدة إيران على التعافي من أزمتها الاقتصادية الحالية واستئناف برنامجها النووي، خاصة وأن انتظار مفعول العقوبات الاقتصادية قد يستغرق وقتاً طويلاً، وقد يؤدي إلى انخفاض شعبية ترامب وخسارة حزبه الجمهوري الأغلبية في الكونغرس في الانتخابات النصفية المقبلة، خاصة وأن إيران تمتلك احتياطياً ضخماً من العملات الأجنبية يبلغ نحو 150 مليار دولار، بالإضافة لمبالغ نقدية تقدر ما بين 25 إلى 35 مليار دولار تحت تصرف النظام المالي المستقل للحرس الثوري في مشاريع تجنب العقوبات الأمريكية.
ويخشى المسؤولون في البيت الأبيض من أن التزام بوتين لروحاني (7 سبتمبر) بوضع الإمكانات الروسية تحت تصرف إيران سيجنبها التأثير المأمول من العقوبات الأمريكية، ويعزيز موقفها في سوريا، حيث تعمل كل من طهران وموسكو ودمشق على مشروع جعل برنامج إعادة الإعمار مرتكزاً لتمويل دمشق وتحويلها إلى منفذ للتجارة الإيرانية بحيث تصبح مركز الإمداد الرئيسي لطهران للمواد والسلع التي لا يمكن الحصول عليها بسبب العقوبات الأمريكية.
ووفقاً للتقرير نفسه؛ فإن احتمالات الحسم العسكري تتصاعد في ظل فشل الدبلوماسية الخفية، حيث عقد مبعوثون أمريكيون مع مسؤولين إيرانيين مباحثات سرية برعاية سلطنة عُمان خلال الفترة الممتدة ما بين منتصف شهر يوليو ومنتصف أغسطس للبحث عن صيغة مقبولة توافق طهران بموجبها على تفكيك برنامجها النووي، إلا أنها لم تأتِ بنتيجة تذكر، حيث أكد روحاني فشل تلك المفاوضات بقوله إن الأمريكيين: “يضغطون على شعبنا ومن ناحية أخرى يرسلون لنا رسائل لكي نجلس ونتفاوض معهم”.
وكان الرئيس ترامب قد طلب من ضباط البنتاغون تعديل الخطط التي تم وضعها في عهد أوباما عام 2015، لسحق المنشآت النووية الإيرانية في حال عدم التوصل لاتفاق، وتضمنت شن هجمات لا قبل للإيرانيين بصدها حتى وإن جرى إشعارهم بموعد تنفيذها.
في هذه الأثناء؛ تم وضع اللمسات الأخيرة على خطة عسكرية يقوم من خلالها سلاحا الجو والقوات الخاصة الأمريكية والإسرائيلية باستهداف العمود الفقري للقدرات العسكرية الإيرانية في سوريا، وتوجيه ضربات موضعية للأذرع الخارجية للحرس الثوري وعلى رأسها: “فيلق القدس” و”الباسيج”، ونحو 21 ميليشيا شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية، بما في ذلك “حزب الله” اللبناني الذي سارع إلى سحب نصف قواته من سوريا تحسباً لتلك الهجمات المرتقبة.
ووفقاً للتقرير فإن المخطط العملياتي النهائي (الذي أقره بولتون في اجتماعه مع نتنياهو نهاية أغسطس الماضي) كان حصيلة أربعة أشهر عمل من قبل فرق أمريكية-إسرائيلية مشتركة، حيث بدأ العمل عليه في شهر مايو الماضي عقب إعلان الرئيس ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، وتتضمن الخطة تدمير البنية التحتية التي شيدها الحرس الثوري والمليشيات الشيعية في سوريا، ويُتوقع أن تمتد هذه العمليات حتى ربيع عام 2019 مالم تنسحب طهران طواعية بعد أن تقتنع أنه لا قبل لها بدفع الثمن في خضم ظروفها المالية الصعبة.
وأشار المصدر إلى أن الاتفاق الأمريكي-الإسرائيلي، تضمن تعهد الولايات المتحدة بتوفير مظلة دفاع جوي أمريكي للغارات الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية، وخاصة تلك التي تتم بالقرب من الحدود العراقية والتركية أو المهام التي يتم تنفيذها ضد الأهداف الموالية لطهران في العراق، كما تعهدت الولايات المتحدة بوضع قواتها البرية في المنطقة على أهبة الاستعداد تحسباً لأي تصعيد يمكن أن ينتج عن عمليات القصف الجوي.
ويسود القلق في واشنطن من أن الرئيس الروسي بوتين قد نكث بتعهداته لترمب أثناء اجتماعهما في هلسنكي (16 سبتمبر) بغض الطرف عن العمليات الأمريكية-الإسرائيلية المزمعة ضد المواقع التابعة لإيران في سوريا، حيث أكد بوتين أنه لا يمانع من إخراج الإيرانيين من سوريا؛ وكرر ما قاله لنتنياهو حينما زار الأخير موسكو (12 يوليو) قائلاً: “موسكو لن تواجه تحركات إسرائيل في سوريا طالما لا يتسبب ذلك بضرر ولا يؤثر على استقرار نظام الأسد، وستنطبق نفس الشروط على التحركات الأمريكية في سوريا”.
وأكد التقرير أن حكومة نتنياهو ترغب بتصعيد عملياتها العسكرية ضد إيران ووكلائها في سوريا فور حلحلة ملف إدلب.
في هذه الأثناء؛ يحث مبعوث الرئيس الأمريكي الجنرال أنتوني زيني الخطى في المنطقة لإنجاز التفاصيل المرتبطة بإنشاء “تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي” (Middle East Strategic Alliance)، الذي يُتداول اختصاراً باسم (MESA)، تمهيداً للإعلان عنه في الأسابيع القليلة المقبلة، حيث قام بزيارات مكوكية للعواصم العربية الرئيسة لإقناع قادتها بإنشاء تحالف يضم: الولايات المتحدة، والكويت، والسعودية، والإمارات، وقطر، وعُمان، والبحرين، ومصر، والأردن، بحيث يغطي عمله مناطق الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك المعابر المائية الثلاثة التي تربط هذه الكتل المائية، وهي: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وستكون مهمة التحالف مراقبة الملاحة في هذه المناطق ومكافحة عمليات نقل الأسلحة غير الشرعية، ومراقبة خطوط الإمداد العسكرية التي يستخدمها الإيرانيون بمحاذاة الحدود الأردنية، كما سيدعم القوات المحلية التي تُسهم في مراقبة شحنات الأسلحة الإيرانية إلى الميليشيات الموالية لها في سورية ولبنان، على أن يتم فتح أجواء الدول المشاركة للتحليق العسكري لطيران التحالف الحربي.
كما يتضمن مشروع التحالف إعداد قوة برية يمكن الاستعانة بها في سوريا، بهدف الانتشار إلى جانب القوات الأمريكية شرق الفرات، باعتباره جزءاً من مهمة مكافحة “الإرهاب” وضمان عدم عودة تنظيم “داعش”، بالإضافة إلى إنشاء صيغة “تعاون استخباري بين دول التحالف لمكافحة الإرهاب بأنواعه، سواء في الشق المرتبط بإيران أو في الشق المرتبط بالتنظيمات المتطرفة”.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018