التحركات الصينية في سوريا تثير قلق واشنطن وتل أبيب

أشار تقرير أمني (13 يوليو 2020) إلى أن إعادة فتح أسواق سوريا بعد تسع سنوات من الحرب بات يشكل أهمية إستراتيجية للصين التي تتقدم على روسيا في البحر الأبيض المتوسط.
وألقى التقرير الضوء على زيارة وفود تجارية صينية دمشق في غضون الأسابيع الماضية تحضيراً لمشاركة الجناح الصيني في الدورة الثانية والستين من معرض دمشق الدولي نهاية شهر أغسطس المقبل، حيث زار دمشق مؤخراً عدد من المدراء التنفيذين لشركات صينية كبرى، وسط احتفاء النظام بوصولهم، وعلى رأسهم مسؤولي شركة “نيوكتيك” الأمنية التي ترغب بتوريد معدات للنقاط الحدودية والمنشآت الأمنية للنظام كالقواعد العسكرية والسجون.
وبالإضافة إلى التعاون في القطاع الأمني؛ ترغب الصين بالمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، حيث تتوفر لديها السيولة المطلوبة بالمقارنة مع روسيا وإيران اللتان استُنزِفتا بعد نحو عقد من الصراع في سوريا، وتتقدم في الوقت الحالي عدة شركات صينية بعطاءات للعمل في قطاع الإنشاءات بسوريا، وعلى رأسها شركة “إيزي برايت تريدينغ ليمتد”، وشركتي المعدات الكهربائية “إيكسبرس لك” وشركة “زونغشان إلكيتريك”، والشركات الزراعية : “تيانجين كو”، و”داليان كومو تريدينغ”، و”شاندونغ هانا بيا تيكنولوجي”.
وتمتد طموحات بكين في سوريا لضمها إلى مشروع “الحزام” الذي يروج له المجلس الصيني للتجارة العالمية “سي سي بي أي تي”، والذي يدعمه بشار الأسد بقوة، إذ إنه يقيم معرضاً تجارياً سنوياً حول إعادة الإعمار في سوريا، كما نشر دليلًا للمستثمرين الصينيين في سوريا عام 2019.
وتنسج الصين شبكتها التجارية في سوريا من خلال إبرام اتفاقيات مع النظام، حيث أبرمت شراكة علمية (2016)، واتفاقية نقل (2019)، واتفاقية تعاون اقتصادي وتقني مدعوم بقروض، بلغ آخرها 14 مليون دولار في مارس 2020.
ووفقاً للتقرير فإن رجل الأعمال محمد حمشو، المقرب من ماهر الأسد، يلعب دوراً محورياً بصفته رئيس مجلس رجال الأعمال الصيني-السوري، حيث يقف خلف الاتفاقيات التي تم إبرامها بين السفير الصيني في دمشق، فينغ بياو، ومستشاره الاقتصادي تشين وينلينغ، مع مختلف الجهات الرسمية السورية.
وعلى الصعيد نفسه؛ فإن مشروع الاتفاقية الصينية-الإيرانية الذي يتم التفاوض بشأنه بين طهران وبكين سيُمكّن الصين من استخدام القواعد الجوية الإيرانية بشكل غير محدود، كما يتضمن بناء قدرات إيران للحرب الإلكترونية مقابل الحصول على نفط ومصانع بأسعار رخيصة وتمكينها من إنشاء محطات مواصلات لنقل بضائعها للغرب.
وفي مقابل استثمارها في البنية التحتية والنفط والتكنولوجيا الإيرانية؛ ترغب الصين في الحصول على مزايا عسكرية يمكن أن تغير ميزان القوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تشير بعض التسريبات إلى إمكانية منح الصين عقد إيجار لجزيرة “كيش” مدته 25 عاماً، واستحواذها على حقوق الصيد في المياه الجنوبية.
وأشار التقرير إلى نية الصين استثمار نحو 400 مليار دولار لتطوير البنية التحتية للنفط والغاز والنقل في إيران، مقابل الحصول على خصم 32٪ لمدة 25 عاماً على مشترياتها من النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، بالإضافة إلى نشر خمسة آلاف عنصر أمن صيني في إيران لحماية المشاريع الصينية.
وإذا تم حسم التفاصيل النهائية في النصف الثاني من شهر أغسطس المقبل؛ فإنه من الممكن أن تبدأ القاذفات والمقاتلات وطائرات النقل الصينية باستخدام مرافق إيرانية في مطارات: همدان، وبندر عباس، وتشابهار، وعبدان ابتداء من شهر نوفمبر المقبل.
وستتضمن التعزيزات الصينية تزويد إيران بمعدات الحرب الإلكترونية، بما في ذلك أجهزة الإنذار المبكر لرصد سلاح العدو، وتقنيات الهجوم الإلكترونية، ومنظومات التشويش، وأجهزة الحماية من تشويش العدو، بما فيها منظومتي “كاراسوخا-2″ و”كاراسوخا-4” اللتان تستخدمان في الحروب الإلكترونية الشاملة، ويمكن أن يؤدي نصبها في ميناء تشابهار إلى تعطيل أنظمة الدفاع الجوية الإماراتية والسعودية بشكل كامل.
وبالإضافة إلى رغبتها في إدماج سوريا؛ تخطط بكين لمنح إيران موقعاً رئيساً في مشروع “حزام واحد، طريق واحد”، حيث ترغب بالاستفادة من العمالة الرخيصة المتاحة في إيران لبناء المصانع التي سيتم تمويلها وتصميمها والإشراف عليها من قبل شركات التصنيع الصينية الكبيرة بذات المواصفات والعمليات الموجودة في الصين، وبعد ذلك ستصل المنتوجات المصنعة للأسواق الغربية من خلال محطات مواصلات جديدة تخططها وتمولها وتديرها الصين.
ويُتوقع أن تمثل مدينة “تبريز” ركيزة للمشروع الصيني، حيث تتواجد فيها منشآت كبرى للنفط والغاز والصناعات البتروكيميائية، ويمثل خط غاز تبريز-أنقرة نقطة محورية في طريق الحرير البالغ طوله 2300 كم، والذي يربط مدينة “أرموتشي” عاصمة إقليم “شينجيانغ” بطهران، مروراً بكازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وتركيا وصولاً إلى أوروبا.
وأثارت التسريبات بشأن تلك الصفقة الصينية-الإيرانية مخاوف في واشنطن وتل أبيب، إذ إنها ستقوض جهود إدارة ترامب لعزل طهران وخنق اقتصادها، حيث يشمل توسيع الوجود الصيني قطاعات: البنوك، والاتصالات، والموانئ، والسكك الحديدية وعشرات المشاريع الأخرى، وسيمثل شريان حياة يغذي الاقتصاد الإيراني.
ورأت مصادر عسكرية إسرائيلية إمكانية نشوء شرق أوسط جديد تلعب فيه كل من إيران والصين دوراً كبيراً، حيث تتضمن الصفقة استثمار مئات مليارات الدولارات في قطاعات النقل والاتصالات والطيران والبنية التحتية البحرية.
وتتضاعف خطورة ذلك الاتفاق في حال انضمام موسكو إلى محور بكين-طهران، خاصة وأن أوساط عسكرية غربية تعتقد أن الصين قد حددت لنفسها هدفاً عسكرياً يتمثل في تحدي التواجد الأمريكي في العالم، حيث قامت بإنشاء ميناء عسكري في جيبوتي، فيما يستمر الحضور الصيني عند مدخل الخليج العربي.
وترى تل أبيب في الصفقة الصينية-الإيرانية المرتقبة خطراً وجودياً؛ إذ إنه سيتسبب بتصدع كبير في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وسيدفع ببكين للتنصل من التزامها بالعقوبات العسكرية على إيران وفتح مجال التجارة الحرة معها، فضلاً عن إمكانية السماح للحرس الثوري الإيراني بالوصول لنظام الملاحة بالأقمار الصناعية، وتطوير قدراته السيبرانية، ونشر شبكة خلوية من الجيل الخامس في إيران.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019