تذمر في واشنطن من الهيمنة الروسية على الملف السوري

رأى المحلل السياسي الروسي، نيكولاي كوزانوف، أن الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع الولايات المتحدة في هلسنكي عاد بالفائدة على موسكو ودمشق وطهران، حيث وسعت القوات الروسية نفوذها الإستراتيجي في مرتفعات الجولان لتقيم ثمانية مراكز مراقبة فيها، في حين عززت إيران مواقعها في القطاعات الوسطى مقابل انسحاب شكلي من الجنوب السوري، وضمن بشار الأسد اعترافاً إسرائيلياً بسلطته على الأراضي السورية مقابل الالتزام باتفاقية عام 1974، كما زاد من فاعلية دفاعاته الجوية ويتطلع للحصول على صواريخ من طراز “S-300” بعيدة المدى وأنظمة الصواريخ الجوية وأنظمة المدى القصير “TOR-M1”.
وبموجب هذه التفاهمات؛ منعت موسكو واشنطن من العمل على إضعاف الوكلاء الإيرانيين في سوريا، حيث يمثل وجودهم أهمية كبيرة للمحافظة على توازن نظام بشار الأسد، في حين يدرك المسؤولون الإسرائيليون أنه بات من المستحيل إخراج كافة القوات الإيرانية من سوريا، وأن اتفاق هلسنكي يمثل الفرصة الوحيدة لحكومة نتنياهو لتقليص نفوذ طهران في الجنوب السوري فقط.
وتتحدث مصادر مقربة من البيت الأبيض عن ارتباك كبير داخل إدارة ترامب وخارجها جراء التفاهمات التي أبرمها ترامب مع بوتين في هلسنكي بعيداً عن مستشاريه، حيث يسود الشعور في واشنطن أن ترامب أصبح منساقاً بصورة كاملة خلف خطة بوتين في سوريا، والتي تتضمن إقرار واشنطن ببقاء الأسد، وتخويل موسكو بمهمة فرض ومراقبة تنفيذ اتفاق عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، وموافقته على بقاء إيران في سوريا مقابل انسحابها حوالي 80 كيلومتراً من الجنوب، إضافة إلى تعجله في سحب كل القوات الأميركية من سوريا متجاهلاً عواقب هذه السياسية التي ستكون عواقبها كارثية على الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع النفوذ الأميركي على الأرض وعلى طاولة المفاوضات.
وفي تعليقه على تراجع الموقف الأمريكي في المنطقة؛ رأى المفاوض السابق والزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى دينس روس، أن الولايات المتحدة كررت أخطاءها السابقة في سوريا، مؤكداً أن لجوء ترامب لبوتين كقناة تافوض مع الإيرانيين يعطي نظيره الروسي نفوذاً يساعدهم على إضعاف الوجود الأمريكي بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن سوريا للروس.
ورأت مراقبون أن تفرّد روسيا ببناء علاقات مع كافة الأطراف المعنية بالنزاع السوري جعلها اللاعب الأساسي، وربما الوحيد، القادر على التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة وتغيير مسار الحرب السورية لصالح بقاء بشار الأسد والسماح لإيران والميلشيات التابعة لها بالبقاء على الأرض، وحلول روسيا محل الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.
وتعمل موسكو على توظيف تراجع الولايات المتحدة إلى الصفوف الخلفية، لبسط هيمنتها الإقليمية وإبرام المزيد من صفقات التسلح وتنفيذ اتفاقات التعاون النووي مع البلدان العربية؛ ففي سوريا ضمنت موسكو وجودها من خلال قاعدة حميميم الجوية و اللاذقية البحرية، إضافة إلى أن أنظمة “إس 300″، و”إس 400” التي نشرتها روسيا في سوريا جعلتها دون سواها تتمتع بالقدرة على بسط نفوذها في الشرق الأوسط. كما وقعت عقداً مع السعودية لبيعها منظومة “إس 400″، وصواريخ مضادة للدبابات، وأبرمت صفقة أسلحة ضخمة مع الإمارات واتفاقية تعاون نووي مع تونس، وباعت القاهرة 50 طائرة مقاتلة “ميغ 29″، وعدداً مماثلاً من الطائرات الهجومية، ومنظومات “إس 300″، كما تم الاتفاق على أن توفر روسيا أربع مفاعلات نووية لمصر، في حين تبدي كلاً من من المغرب والبحرين وقطر اهتماماً بشراء منظومة “إس 400”.
في هذه الأثناء تجد تل أبيب نفسها مضطرة للتوجه نحو موسكو بدلاً من واشنطن فيما يتعلق بالترتيبات العسكرية في الجنوب السوري، فضلاً عن الملفات المتعلقة بدرء الخطر الإيراني، وذلك بعد أن يئس نتنياهو من قيام واشنطن بدور أمريكي فاعل في الملف السوري وعجز عن إقناع ترامب بعدم الانسحاب من سوريا دون تنسيق مع حلفائه في المنطقة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018