درعا على حافة الانفجار

تشهد محافظة حوران حالة من الاحتقان والغضب الشعبي، نتيجة ندرة المواد الأساسية، وتعطل الطرق والمرافق العامة، وتدهور الخدمات العامة حيث يعاني أهل مدينة درعا من برنامج تقنين الكهرباء بمعدل تشغيل ساعتين نهاراً وساعتين ليلاً خلال الفترة الماضية، والذي تحوّل بعد التخفيض الحكومي إلى ساعة واحدة نهاراً وأخرى ليلاً.
ويشتكي سكان المحافظة من تردي الطرقات العامة، وغياب الخدمات الضرورية عنها، وكثرة المطبات والحفر وتشقق الطرقات، وامتلاء الحفر الكبيرة بمياه الأمطار والوحل والنفايات، يضاف إلى ذلك أزمة انقطاع المحروقات كالغاز والمازوت في ظل البرد الشديد، دون وجود مبشرات بانتهاء تلك الأزمات أو تخفيفها، فقد وصل سعر جرة الغاز في السوق السوداء إلى 13 ألف ليرة، أي أكثر من خمسة أضعاف ثمنها النظامي، بينما ارتفع سعر ليتر المازوت من 250 ليرة إلى 600 ليرة.
وعلى وقع التراجع الخدمي والتدهور الأمني؛ وحملات الاعتقال في صفوف شباب المحافظة؛ التقى رئيس شعبة المخابرات العسكرية اللواء “محمد محلا” (24 فبراير) مع أهالي مدينة “طفس” بدرعا، بناء على طلب من روسيا بعد ورود شكاوي عديدة من وجهاء المدينة تتساءل عن مصير المعتقلين، حيث وعد بالإفراج عن نحو 30 معتقلا لدى الأمن العسكري متجاهلاً عشرات المعتقلين في بقية الفروع، وكانت مظاهر خوف محلا ورفاقه واضحة، إذ إنه لم يدخل المدينة إلا بعد أن انتشر عناصر الأمن في كل الأزقة والشوارع واعتلى القناصة أسطح المباني، وزاد عدد العناصر في الحواجز العسكرية القريبة.
وفي ظل تدهور وضع النظام، وعجزه عن تحقيق أي تواجد فعلي في درعا؛ يلجأ الأهالي إلى الروس لحل العديد من قضاياهم، ومعرفة مصير أقاربهم المعتقلين، ولحل مشاكل الإقامة والسكن والعقارات، حيث تحدث مسؤول روسي عن تقدم السكان بأكثر من 500 طلب إلى المركز الروسي للمصالحة لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين السوريين في فرع محافظة درعا لمعرفة مصير أقاربهم وحل بعض مشاكلهم.
في هذه الأثناء؛ يُمعن النظام في التنكيل بأبناء المحافظة، حيث سجل “مكتب توثيق الشهداء بدرعا” 312 حالة اعتقال، من ضمنهم 26 قيادي في الجيش الحر، قُتلوا تحت التعذيب بعد إبرام التسوية مع النظام.
وفي مقابل الخدمات التي كانت تقدمها المنظمات الفاعلة والمجالس المحلية أثناء سيطرة قوى الثورة؛ يبدو النظام عاجزاً عن تقديم أية خطط لتحسين الأوضاع الأمنية أو المعيشية حيث شهدت حوالات المغتربين واللاجئين السوريين إلى ذويهم في محافظة درعا تراجعاً ملحوظاً إثر إغلاق معظم مكاتب الحوالات أبوابها ووقف أنشطتها خشية الملاحقات الأمنية.
وكانت محافظة درعا تعج بعشرات مكاتب الصرافة والتحويل غير النظامية، التي ترافق ظهورها مع بدء عمليات اللجوء إلى الأردن وتركيا، حيث كانت تشهد هذه المكاتب وصول مئات الآلاف من الدولارات، كمساعدات إلى الأهل من الأقارب المغتربين واللاجئين لمساعدتهم على العيش.
ويخشى النظام من تنامي الاحتقان ومظاهر الغضب الأهلي، خاصة في أعقاب خروج مظاهرات في درعا البلد وطفس ترفض إعادة تمثال حافظ الأسد وتنادي بإسقاط النظام، كما ظهرت ملامح السخط الشعبي من خلال الكتابات والرسومات المناهضة للنظام على الجدران في مختلف مدن وبلدات المحافظة.
ولا تقتصر مشاكل درعا على تبعات التدهور الاقتصادي بل تمتد لتشمل حالة غير مسبوقة من تردي الوضع الأمني، وانتشار ظاهرة الاغتيالات، ففي 26 فبراير اغتال مجهولون القاضي السابق في محكمة “دار العدل” بحوران الشيخ علاء الزوباني في بلدة “اليادودة”، حيث أطلقت عليه عدة رصاصات أردته قتيلاً.
وجاءت عملية الاغتيال هذه وسط لغط حول مصير مختار “الكرك الشرقي” جهاد النعمة، والذي كان له الدور الأكبر في تسليم البلدة لقوات النظام، إلا أن ذلك لم يحمه من تعسف النظام حيث يتحدث البعض عن اعتقاله، بينما يشير آخرون إلى إمكانية اختبائه عن أقارب له في دمشق خوفاً من الاغتيال.
وشهد شهر مارس الجاري تنامياً مقلقاً في حوادث الاغتيال، حيث سجل مكتب “توثيق شهداء درعا” نحو 15 عملية اغتيال في صفوف قادة المعارضة، كما قُتل رئيس بلدية اليادودة محمد أحمد المنجر أمام منزله برصاص مسلحين مجهولين.
وتكمن المشكلة الأبرز في الخلافات القائمة بين مختلف القوى العسكرية التابعة للنظام والإيرانيين، وعلى رأسها: القوات الروسية والإيرانية، وعناصر المخابرات الجوية، وشعبة المخابرات العسكرية، والأمن السياسي، والفرقة الرابعة، والحرس الجمهوري، و”حزب الله”، وميلشيات أجنبية مدعومة من إيران.
وتتصارع هذه الفئات على السيطرة والنفوذ، حيث يدور الحديث عن تحريض بعض عناصر المعارضة ضد بعضهم البعض، وذلك بالتزامن مع ظهور “المقاومة الشعبية” (أُعلن عنها في نوفمبر) التي تقوم بتفجيرات متفرقة، وتشن هجمات ضد مواقع تابعة للنظام، وتشكل كثرة الجهات الفاعلة في المنطقة صعوبة في التعرف على الجهات المسؤولة عن تلك العمليات التي تستخدم أساليب الكر والفر، وتقوم بعمليات الاغتيالات وتفجير أبنية المخابرات التابعة للحكومة.
كما ظهرت جماعة أخرى أطلقت على نفسها اسم “سرايا الجنوب”، ونفذت عمليات تفجير نوعية ضد مواقع للنظام مهددة باستهداف المزيد من المرافق الحكومية.
ومن ضمن العمليات النوعية التي تم تنفيذها في منتصف شهر مارس الجاري؛ اغتيال رجل المخابرات الجوية رأفت النحاس بعد اختطافه في الريف الغربي للمحافظة، وتشير أصابع الاتهام لرأفت بتنفيذ عمليات اغتيال لصالح العقيد عمار الأسدي في فرع المخابرات الجوية بدرعا.
وترجح المصادر أن تكون عملية اغتيال النحاس جزءاً من الصراع المحتدم بين أفرع الأمن المحسوبة على إيران والأخرى المحسوبة على الروس في درعا، حيث يعتبر النحاس من المحسوبين على الميلشيات الشيعية، وكان على خلاف قوي مع العقيد لؤي العلي رئيس فرع الأمن العسكري المحسوب على الروس، وتثور تكهنات بأن عملية اغتياله جاءت على خلفية الكشف عن مخطط لتصفية شخصيات مركزية تقف ضد مشروع التمدد الإيراني في ريف درعا الغربي.
وتزامنت عملية الاغتيال تلك مع تنفيذ عملية نوعية (15 مارس) ضد مفرزة المخابرات الجوية في مدينة داعل، حيث يتمركز عناصر المخابرات الجوية في مبنى الفرقة الحزبية بالحي الغربي، وسبق لهم أن قاموا بتنفيذ حملات اعتقال طالت عدداً من الشباب في المدينة التي شهدت هجمات متعددة ضد قوات النظام.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019