ملامح صفقة سورية جديدة على خلفية أستانة (9) ولقاء بوتين بالأسد

أكدت مصادر أمنية أن واشنطن وتل أبيب تعملان على إقناع بوتين بإقرار خطة جديدة تتضمن موافقة الدول الغربية والعربية ببقاء بشار الأسد في الحكم تحت كنف روسيا إذا تم التخلي عن النفوذ الإيراني، وهي الصفقة ذاتها التي عرضتها بعض الدول العربية على دمشق في الآونة الأخيرة، حيث ترغب هذه الدول في التوصل إلى اتفاق أمريكي-روسي يفضي إلى دخول قوات عربية في مناطق محددة بموافقة جميع الأطراف الإقليمية.
ووفقاً للمصادر نفسها؛ فإن روسيا تبدي تعاوناً جيداً مع تلك الترتيبات، حيث ترغب موسكو في الاستفادة من الضربات الإسرائيلية لإضعاف النفوذ الإيراني وإرغام الأسد على إبعاد نفسه عن إيران، فقد أطلقت إسرائيل نيرانها بعد ساعات فقط من اجتماع عُقِد بين نتنياهو وبوتين، وأبلغت إسرائيل روسيا بتفاصيل ضرباتها في وقت مبكر، ولم تطلق بطاريات الدفاع الجوي الروسية المتمركزة في سوريا النيران على الطائرات الإسرائيلية، وأكد مسؤولون إسرائيليون أن روسيا تبنت موقفًا “غير مبالٍ” إزاء التصعيد الإسرائيلي، معتبرين أن الأسد أصبح أكثر اعتماداً على روسيا من أي وقت مضى وذلك مقابل اضمحلال النفوذ الإيراني، بحيث بات الأسد يدرك أن استمرار تحالفه مع إيران سيزعزع استقرار حكمه وربما يؤدي إلى الإطاحة به.
ويأمل الفريقان في واشنطن وتل أبيب إقناع روسيا بإمكانية لعب دور أساسي في صياغة مستقبل سوريا وفق ما يحفظ مصالحها ويضمن استقرار المنطقة وجلب التمويل الخليجي الازم لمشاريع إعادة الإعمار، وذلك من خلال إنشاء نظام مستقر موالٍ لروسيا ومقبول من المجتمع الدولي حتى وإن بقي بشار الأسد على سدته في غضون السنوات الثلاثة المقبلة، وتبدو روسيا مهتمة بهذه الصفقة التي من شأنها تحويل تدخلها العسكري الدامي في سوريا إلى قصة نجاح.
في هذه الأثناء؛ يدرك نظام دمشق أنه لا يستطيع تحقيق الاعتراف الدولي والتمتع بالاستقرار من دون مليارات دول مجلس التعاون التي التزم قادتها بتوفيرها في حال تخلى بشار عن الدعم الإيراني وآثر العمل على إعادة إعمار نظامه المنهك.
كما أن هذه الصفقة ستضمن للأسد تغاضي المجتمع الدولي عن جرائمه واستعادة السيطرة على سائر الأراضي السورية من خلال تسوية سياسية تقر ببقائه في الحكم، وترفع عنه العقوبات الدولية، مقابل تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم بعض عناصر من المعارضة المهجنة التي أدخلتها “الرياض2” إلى المعترك السياسي.
وتشير المصادر نفسها إلى أن ترامب قد أكد للرئيس الفرنسي ماكرون (23 أبريل) رغبته في التوصل إلى اتفاق عسكري مع موسكو لإعادة توزيع القوات العسكرية في المنطقة، بحيث يتم تحديد مناطق لانتشار القوات الروسية والأمريكية والفرنسية والبريطانية والعربية، إذا قبلت موسكو بذلك.
وبناء على تلك الخطة فقد وافق ترامب على عدم التسرع بالخروج من سوريا، آملاً من ماكرون العمل مع ألمانيا لإقناع بوتين بصفقة يلتقوا فيها معه في منتصف الطريق، مع ضمان عدم استغلال روسيا الانسحاب الأحادي للقوات الأمريكية لمخادعة واشنطن وجعل سوريا ساحة لنفوذها بالتعاون مع إيران.
وقد بادر ترامب إلى إرسال الجنرال جوزيف فوتيل قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط إلى تل أبيب لعرض تفاصيل خطة جديدة تقضي بانسحاب أمريكي على عدة مراحل، بحيث تتضمن المرحلة الأولى تجميع القوات الأمريكية في قاعدة “رميلان” الجوية بالحسكة لمراقبة الحدود السورية-العراقية، وفي قاعدة “التنف” لمراقبة الحدود السورية-الأردنية، ومن ثم العمل في المرحلة الثانية إلى إحلال قوات أوروبية-عربية مكان القوات الأمريكية.
وأكد فوتيل سعي ترامب للتوصل إلى تفاهمات ذات مصداقية مع موسكو، بحيث تحصل واشنطن على ضمانات روسية صلبة بعدم إنشاء النظام السوري أو “حزب الله” أو غيره من المنظمات الشيعية التابعة لإيران قواعد بالقرب من الحدود الأردنية والإسرائيلية، وفي حال تم التفاهم على ذلك وصمدت الاتفاقية مع مرور الزمن، فسيقوم الرئيس بتوجيه الأوامر لإخلاء الجنود الأمريكيين من التنف.
ولإثبات جديتها في حماية المصالح الإسرائيلية؛ أكدت واشنطن التزامها بإرسال حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس هاري ترومان” والأسطول المصاحب لها إلى شرق المتوسط، بحيث يتم المزج بين التصعيد العسكري ضد إيران من جهة، والتفاوض مع الروس خلال الأسابيع المقبلة من جهة ثانية، والعمل في الوقت نفسه على إبرام تفاهمات تتيح إنشاء كيان درزي في الجنوب، وآخر كردي في الشمال وبقاء نظام دمشق تحت الوصاية الروسية في الوسط مما يضمن مناخاً آمناً لإسرائيل في العقود المقبلة.
ويبقى التحدي الأكبر في قدرة بوتين على معالجة حالة الانقسام بين وزارة الخارجية التي ترى ضرورة التوصل إلى اتفاق مع الغرب من جهة، وبين وزارة الدفاع التي لا ترى أي سبب للتنازل للأمريكان الذين ينوون الانسحاب في كل الأحوال.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018