تنامي القلق الروسي من النفوذ الإيراني في سوريا

تثير الجهود التي تبذلها إيران لتطوير شبكاتها التجارية في سوريا حفيظة روسيا التي ترغب في منع إيران من مد شبكة نفوذها في سوريا، خاصة وأن إيران تجري حالياً مفاوضات متقدمة للسيطرة على ميناء حاويات اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط، حيث ترى أن الوصول إلى البنية التحتية التجارية هو مكون رئيس في خطتها لإنشاء شبكة تجارة ونقل متكاملة تمتد عبر إيران والعراق وسوريا ولبنان.
في هذه الأثناء تتنامى مشاعر السخط في موسكو إزاء التمدد الإيراني، حيث يغض الكرملين الطرف عن عمليات القصف الإسرائيلية على المواقع الإيرانية التي يتوقع أن تمتد إلى ميناء اللاذقية في الفترة المقبلة تحت ذريعة استخدامها لشحن الأسلحة والسلع التجارية، الأمر الذي يساعد موسكو في دفع دمشق لإنهاء الصفقة، وإلغاء مشروع تشغيل خط السكك الحديدية المخطط له من إيران إلى البحر المتوسط في المستقبل القريب.
تأتي تلك التطورات في ظل احتدام التنافس الروسي-الإيراني على النفوذ والتأثير لدى النظام السوري الذي يقدم تنازلات على أساس كل حالة على حدة للحفاظ على سلطته، حيث يعزز جهود إيران لتطوير شبكات اقتصادية مع رجال الأعمال السوريين المحليين، ويتساهل مقابل ذلك إزاء الجهود التي تبذلها روسيا للسيطرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ولا تخفي إيران رغبتها في استرداد نحو 45 مليار دولار ضختها في الحرب السورية، وذلك من خلال الاستحواذ على العقود الحكومية والخاصة، وبالذات في قطاع الطاقة حيث تتطلع لنيل عقود حصرية في مجالات إنعاش حقول الغاز، وبناء محطة لتوليد الكهرباء بقيمة 450 مليون دولار في طرطوس، وتشييد مصفاة لتكرير النفط بقيمة مليار دولار بالقرب من حمص.
وفي مناقشات أجراها “المجلس الأعلى للأمن الوطني الإيراني”، قدّر المبلغ الذي ستدفعه سوريا إلى إيران من مبيعات النفط والائتمان الذي أعطاه النظام الإيراني لسوريا بحوالي 20 مليار دولار، يضاف إلى ذلك المساعدات العسكرية والمعدات التي قدمها النظام الإيراني إلى نظام الأسد.
وتشير المصادر إلى أن طهران قد تجاوزت روسيا في السيطرة على حركة التبادل التجاري مع سوريا، حيث بلغ إجمالي التجارة في العام الماضي 5 مليارات دولار، وتضاعفت الصادرات في العامين الماضيين، بمساعدة ائتمانات من طهران لشراء سلع إيرانية تجاوزت قيمتها 7.5 مليار دولار، تهدف في المقام الأول إلى تغطية استهلاك سوريا من النفط البالغ مليوني برميل شهرياً، حيث تُحول الإيرادات الإيرانية إلى مشاريع أصغر تدار حصرياً بواسطة شركات إيرانية في سوريا تعمل في مجالات الأعمال والنقل والزراعة والصناعة التحويلية، وشركة صناعة السيارات “سابا” التي تصنع في الوقت الحالي نحو ألف سيارة سنوياً، لكنها تهدف إلى مضاعفة هذا العدد بنهاية العام، كما تستثمر الشركات الإيرانية في الأراضي خاصة حول مركز مدينة دمشق.
وتقوم شركات إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري بشحن قطع غيار السيارات وغيرها من البضائع عبر اللاذقية لتجنب قصف إسرائيل للشحنات في مطار دمشق، كما تخطط لإنشاء شبكة تجارية إقليمية تربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط.
ووفقاً لمصادر مطلعة؛ فإن الحصول على رخصة تشغيل الميناء لن يسهل التجارة الإيرانية مع سوريا فحسب، بل سيساعد إيران على إنشاء رابط نقل بين إيران والبحر الأبيض المتوسط عبر خطوط السكك الحديدية الموجودة في العراق وسوريا، حيث يتم التخطيط لإنشاء خط إضافي بين معبر “الشلامجة” الحدودي والبصرة، لينضم إلى الشبكتين الإيرانية والعراقية، ويبلغ طوله نحو 30 كلم، وتقدر تكلفته بنحو 52 مليون دولار فقط. وعلى الرغم من أن معظم المسار الجديد سيكون في الأراضي العراقية، فقد تعهدت إيران بتمويل المشروع.
ويسود القلق في موسكو من المنافسة الشرسة التي تواجهها الشركات الروسية من الحرس الثوري الإيراني الذي يمتلك أكبر ذراع اقتصادي في الإقليم من خلال مؤسسة “خاتم الأنبياء” التي ينضوي تحتها أكثر من 853 مؤسسة تعمل في مجالات الطاقة والاتصالات والإعمار، ولديها وكالات تجارية ومراكز تجارية وفنادق وشركات طيران وبنوك، وشركات صرافة ومؤسسات إعلامية على امتداد إيران وخارجها.
وتتعامل شركة “خاتم الأنبياء” مع نحو 5000 مقاول وتاجر، وتضم نحو 650 ألف موظف داخل إيران فقط، وتعد سوريا ساحة رئيسة للشركات والاستثمارات الإيرانية التي يرعاها الحرس الثوري، حيث يُعد مشروع “خط النفط والطاقة” الممتد من العراق إلى الزبداني فلبنان وصولاً إلى الساحل السوري من أهم مشاريع الحرس الثوري في سوريا، والذي تم تمويله عام 2013 بقيمة 10 مليارات دولار.
كما يمتلك الحرس الثوري الإيراني في سوريا مجموعة ضخمة من العقارات والفنادق داخل العاصمة السورية وخاصة في الحي التجاري بمنطقة “البحصة”، وكذلك في شارع الأمين وأحياء الشاغور والحريقة والحميدية، ويستثمر في القطاع الزراعي من خلال شراء الأراضي بريف دمشق وكذلك في دير الزور حيث حصلت الشركات الإيرانية على عقود لاستثمار أراض، حيث تشير المصادر إلى توقيع وزارة الزراعة السورية اتفاقاً يقضي بإشراف وزارة الزراعة الإيرانية على استثمار 5000 هكتار زراعي في الداخل السوري، وإعادة التصدير للخارج، إضافة إلى توقيع عقد مزرعة ” زاهد” لتربية الأبقار في طرطوس، وتشمل الآلات والمعدات الزراعية ومنظومة الحماية من حرائق الغابات، ومصنع تغذية للثروة الحيوانية وغرف تجميد، ومذبح ومصنع، كما تم توقيع عقد لبناء محطة للتطعيم، تحت اشراف معهد “رازي” في إيران.
كما تستحوذ شركات تابعة للحرس الثوري الإيراني على مشاريع لتطوير بعض حقول الغاز في منطقة “قارة” بالقلمون، وتوسعة “حقل تشرين الحراري” بمنطقة “حران العواميد” بريف دمشق، وإعادة استثمار محطة كهرباء بريف اللاذقية، ولديها عدة استثمارات في قطاع تجميع السيارات وبعض المواد الغذائية الأساسية، واستثمارات في معمل الاسمنت بمنطقة “عدرا” الصناعية.
وتثير تلك المشاريع حفيظة موسكو التي تعمل على نهج مغاير للسيطرة على الاقتصاد السوري، وذلك من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، والعمل على إبعاد المنافسين الإيرانيين بالقوة، حيث قامت ميلشيات مدعومة من قبل روسيا بطرد المشغلين الإيرانيين من مناجم فوسفات الشرقية بالقرب من تدمر، وفرضت على دمشق فسخ العقد مع الشركات الإيرانية ومنح شركة روسية خاصة يطلق عليها (Stroytransgaz) عقداً حصرياً مدته 50 عاماً لاستخراج وبيع الفوسفات، مع تخصيص 30٪ من الإيرادات للدولة السورية.
وفي مقابل جهود التشييع التي تبذلها إيران في سوريا؛ تعمل السلطات الروسية على نشر ثقافتها عبر وسائل متعددة أبرزها؛ دفع النظام لنشر اللغة الروسية عبر مناهج التعليم، حيث اضطرت وزارة التربية التابعة للنظام لإدراج اللغة الروسية في مناهجها لتلاميذ المدارس، واستحدثت مناهج لتعليم اللغة الروسية مجاناً للراغبين، وتبنت برامج لتبادل الطلاب المتفوقين والمتميزين ما بين الجانبين، وإرسال الطلاب الأوائل إلى معسكرات ترفيهية وتعليمية، ودعم الوزارة بالمراجع الروسية، وذلك في خطوة تزيد من وتيرة التغلغل الروسي في سوريا.
كما تم افتتاح قسم لتعليم اللغة الروسية وآدابها، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق، ودشنت الكلية مبنى جديداً لقسم اللغة الروسية في شهر سبتمبر الماضي.
وأكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم الروسية، ستانيسلاف غابونينكو، أن “شبكة مراكز التعليم المفتوح باللغة الروسية، ستظهر في سوريا خلال الفترة الممتدة ما بين 2019 و2025″، مشيراً إلى أن “وزارة التعليم الروسية تخطط لفتح دروس مباشرة عبر الانترنت للمعلمين السوريين، إضافة إلى دورات تدريبية للعاملين في المهن الصناعية”.
وكانت الساحة السورية قد شهدت اندلاع اشتباكات متفرقة بين قوات محسوبة على روسيا وأخرى تابعة لإيران، كان آخرها وقوع مواجهات مسلحة بين عناصر من ميليشيات عراقية تابعة للحرس الثوري الإيراني وعناصر تابعين لمخابرات نظام الأسد وسط مدينة البوكمال بريف محافظة دير الزور (9 أبريل 2019)، وسجل العام الماضي وقوع قتلى وجرحى في اشتباكات عنيفة بين الطرفين امتدت لعدة بلدات.
وجرت في مطلع العام الحالي اشتباكات بين ميليشيا تابعة لروسيا وأخرى تابعة لإيران في ريف حماة الشمالي سقط على إثرها أكثر من 70 قتيلاً من الطرفين ضمن الصراع الروسي-الإيراني على النفوذ في المنطقة، حيث يسيطر الحرس الثوري الإيراني على البوكمال ومناطق واسعة من ريف دير الزور الشرقي، في حين تسيطر ميلشيات مدعومة من قبل روسيا على مناطق أخرى متفرقة.
وفي توسيع لدائرة التنافس العسكري بين الطرفين؛ دخل وفد عسكري روسي مدينتي محردة والسقيلبية (المسيحيتان) برفقة سهيل الحسن (2 أبريل 2019)، مستبعدين عناصر الفرقة الرابعة المدعومة إيرانياً بالقرب من تلك المنطقة، حيث تلعب القوات الروسية على وتر الطائفية لكسب الميلشيات المحلية إلى جانبها على حساب الميلشيات الإيرانية.
وتتوقع المصادر احتدام التنافس الروسي-الإيراني على خلفية تكليف وزير النقل في دمشق، علي حمود، المدير العام لمرفأ اللاذقية بالعمل على: “تشكيل فريق عمل يضم قانونيين وماليين للتباحث مع الجانب الإيراني في إعداد مسودة عقد لإدارة المحطة من الجانب الإيراني”، حيث أثار ذلك الطلب غضب الجانب الروسي نظراً لأنه يمنح إيران الحق في إدارة محطة الحاويات بمرفأ اللاذقية لتسوية الديون المترتبة على سوريا نظير الدعم المالي والعسكري الذي قدمته طهران لدمشق.
ويتوقع أن يفضي انحياز بشار المفاجئ لإيران عقب زيارته الأخيرة لخامنئي المزيد من الصراعات المفتوحة بين موسكو وطهران.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019