إيران تصعد إقليمياً لإضعاف موقف واشنطن

في أعقاب التحذير الذي وجهته الاستخبارات الإسرائيلية (28 أغسطس) من إمكانية قيام طهران بالتصعيد الإقليمي انتقاماً للعمليات النوعية التي استهدفتها في العراق ولبنان؛ جاءت عملية استهدف منشأتين نفطيتين لشركة “أرامكو” شرق السعودية (14 أيلول 2019) لتأكيد تلك المخاوف.
ويرى الجيش الإسرائيلي أن العملية التي تم تنفيذها ضد مصافي النفط بمنطقة “بقيق” جاءت كرد على التهديدات التي أطلقها قائد هيئة الأركان الإسرائيلي أفيف كوتشافي (25 أغسطس) لقاسم سليماني، ونقل عن مصدر إسرائيلي بارز، قوله: “الأمر كله يتعلق بسليماني الذي يقود الجهود لمحاصرة إسرائيل من الخليج إلى البحر المتوسط والأحمر”.
ويبدو أن سليماني قد نجح في تنحية التيار “الواقعي” بدعم من المرشد الإيراني علي خامنئي، وشرع في تنفيذ خطة تصعيدية ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وكانت مصادر أمنية قد سربت (30 أغسطس) تفاصيل عملية إلكترونية سرية أفشلت خطة إيرانية لعمل عسكري كبير في الخليج العربي، من خلال إعطاب شبكات اتصال عسكرية إيرانية، ما أدى إلى فقدان معلومات استخباراتية إيرانية ومنع الحرس الثوري الإيراني من الوصول إلى معلومات مهمة كان يعتمد عليها في عملياته.
ولم ترد إيران مباشرة على العملية، بل شرعت في الإعداد لهجمة أخرى ضد مواقع إسرائيلية لشن ضربات بطائرات من دون طيار على أهداف عسكرية وبنية تحتية، إلا أن سلاح الجو الإسرائيلي ضرب القاعدة التي كان من المفترض أن تنطلق منها الغارة الجوية في بلدة عقربا، جنوب شرق دمشق، وقال مكتب نتنياهو إنه أمضى تلك الليلة في غرفة الحرب الجوية مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أبيب كوتشافي.
ووفقاً لتقرير أمني؛ فإن طهران استمرت في التخطيط لعملية كبرى بهدف إقناع واشنطن بعدم جدوى سياسة “الضغط القصوى” ودفع إدارة ترامب للتفاوض، وترى أنها حققت انتصاراً كبيراً في إبعاد المستشار الأمني للرئيس الأمريكي جون بولتون الذي تم إعفاؤه في 10 سبتمبر.
ويخطط الحرس الثوري الإيراني لتنفيذ المزيد من العمليات التي تربك الولايات المتحدة وحلفاءها من جهة، وتعزز الموقف التفاوضي لطهران من جهة ثانية.
وفي ظل احتباس مشهد الصراع في اليمن؛ يتجه الحرس الثوري لتأجيج الموقف في العراق، الذي استهدفته تل أبيب بعمليات قصف جوي في شهري أغسطس وسبتمبر، حيث تعمل طهران على تعزيز قدرات الحشد الشعبي العراقي لشن المزيد من العمليات في سوريا والخليج العربي انطلاقاً من الأراضي العراقية.
ووفقاً للتقرير؛ فقد استُقبل المسؤول البارز في الحشد الشعبي، فالح الفياض، بترحاب كبير في موسكو، التي زارها (3 سبتمبر) في رحلة تهدف لشراء أسلحة نوعية، حيث التقى بمسؤولين رفيعي المستوى مثل مستشار الأمن القومي نيكولاي باتروشيف ومبعوث بوتين للشأن السوري أليكساندر لافرينتيف ونائب وزير الخارجية سيرجي فيرشينن، وطلب منهم منظومات دفاع جوي قادرة على التصدي للطائرات والصواريخ الإسرائيلية.
ولجأ الفياض إلى موسكو بدلاً من طهران لتجنب اعتراضات رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي والقيادة المركزية الأمريكية، حيث حرص على لقاء وزير الدفاع العراقي وأخذ موافقته قبل الذهاب لموسكو بصحبة أبو مهدي المهندس الذي يتبع بصورة مباشرة لقاسم سليماني.
وفتحت تلك الزيارة مجال توسيع سوق منظومات الدفاع الجوي الروسي في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما يتجاوز عملائها الحاليين في سوريا وتركيا، حيث قدم القادة العسكريون الروس على عجل خطة مفصلة لتركيب شبكة دفاع جوي للحشد الشعبي، مع وجود قيمة مضافة على البيع وهي دخول الخبراء الروس إلى القواعد التي ستُركّب بها الدفاعات الجوية، ومن المتوقع أن يتم تسليح الحشد الشعبي بأول منظومتي دفاع جوي تتألف من بطاريات وصواريخ روسية وطائرات مسيرة إيرانية لأغراض قتالية، ولجمع المعلومات الاستخبارية والتصوير، مستعينة بمسؤولي “حزب الله” الذين يسيطرون على الشركة التي تراقب أمتعة المسافرين وشحنات البضائع ورسوم البضائع التي تمر عبر مطار بغداد الدولي، ويجد مراقبو الحكومة العراقية صعوبة متزايدة في الوصول لفحص الشحنات التي تحملها الطائرات الإيرانية التي تستخدم المطار وبعض الركاب الذين لا يخضعون للضوابط الأمنية.
وبالإضافة إلى رغبته في الحصول على موطئ قدم في العراق من خلال المنظومات الجوية الروسية؛ حث بوتين المملكة العربية السعودية على شراء منظومات دفاع روسية، قائلاً: “نحن على استعداد لتقديم المساعدة المناسبة للمملكة العربية السعودية، ويكفي أن تتخذ القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية قراراً، كما فعل قادة إيران، بشراء منظومة “إس-300″، أو كما فعل الرئيس أردوغان الذي اشترى من روسيا أحدث منظومة للدفاع الجوي “إس 400″… بذلك يحمون البنى التحتية في المملكة العربية السعودية”.
وفي تحركات تتسم بسرية مطلقة؛ انخرط قاسم سليمان في سلسلة لقاءات تهدف إلى تصعيد الموقف في المنطقة، حيث التقى حسن نصر الله برفقة الجنرال محسن سالمي، القائد الأعلى للحرس الثوري، ودار الحديث عن إمكانية شن عمليات نوعية في المنطقة خلال الأسابيع المقبلة، وتم الاتفاق مع نصرالله على تكليف عضو من “حزب الله” بالتنسيق بين الطرفين لتنفيذ عمليات نوعية بطائرات مسيرة في المنطقة.
ودار الحديث عن إمكانية فتح عدة جبهات في آن واحد، لإرباك الولايات المتحدة وحلفائها وتصعيب مهمة الرد على العمليات، على اعتبار أنها ستشعل حرباً شرق أوسطية يصعب السيطرة عليها، ويدور الحديث عن إمكانية شن المزيد من العمليات بطائرات مسيرة ضد أهداف في الخليج العربي.
وأشار التقرير إلى أن مرشد الثورة علي خامنئي اضطر إلى التدخل لحسم خلاف وقع بين الرئيس الإيراني حسن روحاني وبين المتشددين، حيث وجه باستبعاد المسار الدبلوماسي وفتح الباب واسعاً أمام التصعيد العسكري ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وذلك في أعقاب فشل المبادرة الفرنسية لترتيب اجتماع بين ترامب وروحاني على هامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة نهاية سبتمبر الجاري في نيويورك، وفشل زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى مقر قمة مجموعة السبعة بفرنسا (25 أغسطس)، ورجح بذلك خامنئي كفة المتشددين في الجيش وفي الاستخبارات والمؤسسة الدينية والسياسية ضد روحاني، ويُتوقع أن يفتح ذلك الباب واسعاً أمام المزيد من العمليات النوعية خلال الفترة المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019