تشكيلات جديدة في الجنوب تنذر باندلاع صراع إقليمي

يشهد الجنوب السوري تحولات ميدانية واسعة يمكن أن تفضي إلى صراع إقليمي طويل الأجل، حيث يثور القلق في عمّان وتل أبيب إزاء تملص الروس من التزاماتهم وإخلائهم المواقع التي سلمتها لهم المعارضة لصالح النظام، حيث تؤكد مصادر عسكرية مطلعة (10 أغسطس) عدم وفاء بوتين بإنشاء نقاط تفتيش في مناطق إستراتيجية سبق وأن تعهد بتأمينها لمراقبة خط فض الاشتباك في الجولان المحتل.
وكانت وزارة الدفاع الروسية قد التزمت بنشر ثمان نقاط لمراقبة خط فض الاشتباك، وإرسال الشرطة العسكرية الروسية للمناطق الحدود السورية الجنوبية مع الأردن وإسرائيل وفقاً لتعهدات قدمها بوتين لترامب في هلسنكي بتاريخ 16 يوليو. كما تعهد بوتين لنتنياهو بإبعاد القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها نحو 85 كم، إلا أنه لم ينفذ تلك التعهدات على الأرض.
ووفقاً للمصادر نفسها؛ فإن منطقة الجولان السوري ،والتي تعد واحدة من أكثر المناطق خطورة وحساسية في الشرق الأوسط، لا تزال خاوية من النقاط الروسية، ويقتصر النشاط العسكري فيها على مرور رتل صغير تابع لقوات النظام، في حين تهيمن فصائل المعارضة التي باتت تعمل إلى جانب النظام، الأمر الذي أثار حفيظة مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، ودفعه لمخاطبة الرئيس الفرنسي ماكرون طالباً منه وضع خطة لتوسيع وتسليح مراقبي “الأندوف” ليحلوا كبديل عن الغياب الروسي المثير للتساؤل، متعهداً بإضفاء الولايات المتحدة طابعاً رسمياً على هذا الطلب مع اقتراب طلب التجديد للأندوف في مجلس الأمن بتاريخ 31 أغسطس.
ومن جانبه؛ بادر ماكرون بوضع الطلب الأمريكي أمام الحكومة اللبنانية مقترحاً أن يتم دمج وحدتي قوات حفظ السلام في جنوب لبنان وفي الجولان، مما دفع “حزب الله” للضغط على الحكومة اللبنانية لرفض خطة بولتون-ماكرون، حيث قامت مجموعة مجهولة (4 أغسطس) بإغلاق طريق مجدل زون في جنوب لبنان ونصبوا كميناً لدورية تابعة لليونيفيل وحطموا عربات الدورية ومعداتها. وتمثل هذه الحادثة إنذاراً من “حزب الله” بأن قوات “الأندوف” في الجولان ستعامل بنفس الطريقة الاستفزازية التي عولمت بها قوات “اليونيفيل” في لبنان.
وفي مقابل تشكيل أربعة من فصائل المعارضة في درعا ما أسمته “جيش الثورة” لمحاربة تنظيم “داعش” إلى جانب قوات النظام؛ انخرطت فصائل أخرى إلى تشكيل أنشأته إسرائيل تحت مسمى “جيش الجنوب”، وعلى رأسها ألوية “فرسان الجولان”، و”العز بن عبد السلام” و”سيف الشام”، والتي تنشط في المنطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي السورية تحت إشراف إسرائيلي مباشر، حيث تتولى القيادة العسكرية الإسرائيلية تحديد نقاط تمركز هذه القوات وتسهل لها عملية إدارة المشفى الميداني ومخيمات اللاجئين العالقين على الحدود.
وفي ظل رفض تل أبيب ترتيبات إنشاء “جيش الثورة” بالتعاون مع النظام في درعا؛ ترفض موسكو وطهران قيام “جيش الجنوب” بالتعاون مع إسرائيل في القنيطرة، حيث شهدت منطقة فض الاشتباك توتراً بين القوات الروسية وألوية “فرسان الجولان”، إلا أن تل أبيب تبدو مصرة على توظيف هذه القوات في مهام تعزيز سيطرتها على مرتفعات الجولان المحتل، وإنشاء حائط صد محلي في مواجهة القوات الإيرانية، ويتوقع أن تعزز تل أبيب دور “جيش الجنوب” بشكل أكبر من خلال دعمها للبنية التحتية والمرافق العامة في منطقة فض الاشتباك، إضافة إلى دعم البنى الإدارية المحلية.
في هذه الأثناء؛ يدور الحديث عن اتضمام عدد كبير من عناصر “هيئة تحرير الشام” إلى “جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم “داعش”، والذي تعرض لهزائم وانكسارات كبيرة في حوض اليرموك، لكنه تمكن من لملمة صفوفه والتقدم في مواقع عديدة في القنيطرة مما ينذر بالمزيد من العمليات العسكرية في المرحلة المقبلة.
ويكمن الطرف الرابع من معادلة الصراع المتنامي في الجنوب السوري في الميلشيات التابعة لإيران، والتي لا تزال مصرة على البقاء في المنطقة رغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها طهران لسحب قواتها من قبل الخصوم والحلفاء على حد سواء.
وترى مصادر أمنية وعسكرية في تل أبيب أن إيران، وليس روسيا، هي الجهة المهيمنة في الجنوب السوري، وأنها لا تزال تُملي خطة ووتيرة العمليات القتالية في المنطقة، وتسيطر على المعابر الحدودية بين سورية وبين العراق ولبنان، وتحدد إعادة تنظيم المناطق وتحديد أولويات القتال، حيث يقوم مستشارون إيرانيون بتوفير الإمكانات الميدانية والعسكرية، وينسقون عمليات القتال البري مع الطلعات الجوية الروسية.
ومن أبرز هذه القوات التي لا تزال تتموضع في العمق السوري:
1- فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي يتراوح عدد أفراده ما بين 2000 و5000 مقاتل.
2- قوات الدفاع الوطني السوري، وهي ميليشيات أنشأتها إيران وموّلتها وسلحتها، وتضم نحو 90 ألف متطوع سوري من الطائفتين العلوية والشيعية
3- قوات الدفاع المحلية، وهي وحدات شرطة تعمل في مجالات الحراسة والإدارة المدنية للميلشيات المحلية، ويقدر تعدادها بنحو 50 ألف مقاتل.
4- ميلشيات شيعية من أفغانستان وباكستان، يتراوح تعدادها ما بين 10 آلاف إلى 15 ألفاً.
5- حاميات شيعية ينتمي عناصرها إلى ميلشيات عراقية ولبنانية، تستخدمهم إيران كقوات تدخل سريع في مناطق القتال، وعلى رأسهم “حزب الله” ومرتزقة لا ينتمون إلى ميلشيا بعينها، ويقدر مجموعهم بنحو 30 ألف مقاتل.
وعلى الرغم من التعهدات التي بذلها بوتين لترامب بتحجيم الوجود الإيراني في سوريا؛ إلا أن المصادر العسكرية تشكك في قدرة موسكو ونظام الأسد على إخراج الإيرانيين من الأراضي السورية، خاصة في ظل اندماج ضباط إيرانيين ومقاتلين شيعة في القوات المحلية. وفي هذه الحالة، فإن خيار مهاجمة القوات التابعة لإيران سيكون بيد إسرائيل حتى بعد أن يستكمل الأسد سيطرته على هضبة الجولان السورية، حيث يسود الشعور أن الجنوب السوري سيشهد في المرحلة المقبلة جولة صراع ثانية بين الوكلاء الجدد.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018