أنباء عن تأييد روسيا عمليات محدودة ضد إيران في الجنوب السوري

تؤكد مصادر أمنية مطلعة وجود توافق أمريكي-روسي صامت على طرد إيران من سوريا مقابل الموافقة على بقاء الأسد وتمكين موسكو من بسط قبضتها العسكرية لملء الفراغ الناتج عن مغادرة إيران.
ووفقاً للمصادر نفسها؛ فإن اصطفافات جديدة تتشكل في الوقت الحالي يتم من خلالها خلط اللاعبين بصورة غير مسبوقة، فالتفاهمات التي توصل إليها ترامب وبوتين في سبتمبر 2017 في هامبورغ مازالت قائمة رغم الهزات التي اعترتها، إذ لا يزال الرئيسان متمسكان بتقسيم النفوذ بين البلدين، على أساس خضوع شرق الفرات لأمريكا وغربه للسيطرة الروسية.
وتتفق الولايات المتحدة مع روسيا -من حيث المبدأ- على وجوب مغادرة كافة القوات العسكرية الأجنبية من سوريا رغم عدم تتوصلهم إلى صيغة مشتركة لتنفيذ ذلك، ويبدو أن بوتين قد تعهد بإقناع بشار الأسد بالانضمام إلى ذلك الاتفاق، وقام باستدعائه إلى سوتشي (18 مايو 2018) لمناقشة مستقبل سوريا ضمن هذا الإطار، مشيراً إلى الهدف الرئيسي للدعوة هو: “سحب جميع القوات الأجنبية من سوريا بعد بدء التسوية السياسية”.
وكانت تصريحات بوتين ووزير خارجيته بهذا الإطار كافية لقرع جرس الإنذار في طهران، حيث أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي (21 مايو 2018) أن الولايات المتحدة وتركيا يتواجدان في سوريا بشكل غير قانوني وينبغي عليهما سحب قواتهما، ومؤكداً أنه: “لا يمكن لأي كان أن يلزم طهران القيام بأي شيء”.
وبدا موقف بشار الأسد متناقضاً ومرتبكاً عقب لقاء سوتشي؛ حيث تحدث عن شرعية الوجود الإيراني في سوريا، لكنه انخرط في الوقت نفسه بترتيبات لتعزيز مواقع القوات الروسية وتمكينها من السيطرة على المزيد من الأراضي، مقابل الحصول على شحنات أسلحة متطورة في الأيام الماضية.
ووفقاً لمحللين عسكريين غربيين فإن ثمة انشقاق روسي-إيراني يمكن لصانعي السياسة الغربيين الاستفادة منه، إذ إنه بات من الممكن التعامل مع موسكو للحد من نفوذ إيران، باعتبارها القوة الأكثر تخريباً في المنطقة.
ولاحظ المحللون أن موسكو تبدو أكثر انسجاماً مع العملية التركية التي تسير بغير رضى إيران في الشمال السوري، وتوفر في الوقت نفسه تسهيلات جوية لعمليات القصف الإسرائيلية التي تستهدف مواقع إيرانية في سوريا.
تأتي تلك التطورات عقب لقاء جمع وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، بنظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان ورئيس الاستخبارات العسكرية، تامير هايمان، ورئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع زوهر بالتي لمناقشة مستقبل الوجود الإيراني في سوريا، وذلك بالتزامن مع توجه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات، للقاء نظيره جون بولتون لنقل رسالة تتضمن التزام موسكو بإخلاء المناطق الحدودية من أي وجود إيراني مقابل قبول واشنطن بعودة جيش النظام للسيطرة عليها.
ورحبت الأوساط الإسرائيلية من جهتها بالتفاهمات التي حصلت مع روسيا، والتي تدفع باتجاه انسحاب إيران من جنوب سوريا، حيث أكد وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية يوفال شتاينيتس أن: “إسرائيل وضعت خطوطاً حمراء في مفاوضاتها الجارية مع روسيا، أهمها عدم تمكين إيران من إقامة قواعد عسكرية لها في سوريا، أو مواصلة تهريبها للوسائل القتالية لحزب الله”.
وأكد رون بن يشاي الخبير العسكري أن الروس يقترحون على الإسرائيليين أن تبقى القوات الإيرانية والحليفة معها على بعد 60-70 كلم شرق خط وقف إطلاق النار في الجانب الإسرائيلي من الجولان.
وعلى إثر مطالبة بوتين (17 مايو 2018) باستعجال جميع القوات الأجنبية للانسحاب من سوريا؛ أوضح مبعوث الرئيس الروسي، ألكسندر لافرينتيف، أن بوتين كان يعني: القوات التابعة لإيران، و”حزب الله”، والولايات المتحدة، وتركيا، الأمر الذي أثار حفيظة طهران ودفعها لمهاجمة الموقف الروسي في العديد من المواقف الرسمية وشبه الرسمية؛ فقد طالب حسين شيخ الإسلام، سفير إيران الأسبق في دمشق ومستشار وزير الخارجية الإيراني، موسكو بألّا تتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا، مؤكداً أن: “من يبقى أو ينسحب من سوريا، هذا جزء من خيارات الحكومة السورية فقط، ولا أحد آخر”، وأكد أن إيران ستبقى في سوريا؛ لأنها تمتلك شبكة استثمارات عملاقة وواسعة هناك، قائلا: “من ذهب إلى سوريا يرى أن أغلب سيارات قطاع التكسي هناك هي من صنع إيران، ولدينا خطوط إنتاج لشركات برايد وسمند لصناعات السيارات الإيرانية في سوريا و50% من مناقصات المياه والكهرباء حصلت عليها شركات إيرانية، وقمنا ببناء مصفاة وصوامع، ونقدم خدمات هندسية وتقنية وإنشاء الطرق، وذلك سيستمر، ولن نترك سوريا، والسوريون أيضا يريدون بقاءنا هناك”.
كما اعتبرت صحيفة “قانون” المحسوبة على التيار الإصلاحي (3 يونيو 2018) الموقف الروسي الأخير بمثابة توثيق العهود مع الصهاينة، العدو الرئيسي للإيرانيين، ووضعت العنوان الرئيس في صفحتها: “المحتال” تحت صورة بوتين، في إشارة إلى سياسة بوتين مع الإيرانيين في سوريا، والتي اعتبرتها “سياسة نصب واحتيال ينفذها بوتين تجاه إيران في سوريا”، واتهمت تياراً داخل المحافظين، أطلقت عليه “التيار الروسي”، بالوقوف ضد أي موقف إيراني يمكن أن يُتخذ ضد روسيا.
لكن الإسفين الأكبر في نعش العلاقات الروسية-الإيرنية يكمن في تسرب أنباء عن تأييد موسكو القيام بعمل عسكري محدود لوقف برامج إيران التوسعية في الجنوب السوري، والتي تتضمن سعي إيران لإقامة منشآت “غامضة” في السويداء بهدف التأسيس لجيب عسكري في المنطقة بدعوى محاربة “الإرهاب”، وقيامها بحركة تشييع واسعة النطاق تقف وراءها لجان دينية تتبع قوات الحرس الثوري في محيط بعض قرى غرب درعا.
وأدت تلك التسريبات إلى سحب الأردن سفيرها من طهران ومطالبة لجنة التنسيق العسكرية الروسية والمعنية بخطة خفض التوتر في الجنوب بإقناع جيش النظام بالمخاطر والمجازفات الناتجة عن السماح لمجموعات مسلحة شيعية لبنانية وعراقية وإيرانية بإقامة وجود عسكري دائم تحت ستار ثلاث جمعيات خيرية تُستخدم كواجهة لزيادة عدد المتشيعين.
وتفيد الأنباء بأن موسكو أبدت تفهمها للمخاوف الأردنية-الإسرائيلية، ودار الحديث بينها وبين الدول المعنية حول إمكانية البحث في خيار عسكري جديد لتنفيذ الاتفاقات بين هذه الدول، وإن تطلب ذلك اتخاذ إجراءات صارمة إزاء إيران.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018