الجنوب السوري يتجه لمزيد من التصعيد عقب فشل المفاوضات

شهدت الأسابيع الماضية مفاوضات حثيثة بين القوى الدولية الفاعلة للتوصل حول صفقة تقاسم للنفوذ في الجنوب السوري، حيث أصرت كل من عمّان وتل أبيب على إبعاد الدور الإيراني والحرس الثوري والميلشيات الداعمة له عن المنطقة الجنوب، وذلك في مقابل الموافق على استعادة النظام السيطرة على معبر نصيب.
وعرضت موسكو صفقة تتضمن إعادة سيطرة النظام على المنطقة الجنوبية مقابل سحب جميع القوات الأجنبية من المنطقة، بما في ذلك إيران التي يتعين عليها سحب قواتها من القنيطرة ودرعا، والولايات المتحدة التي اقترح الروس سحب قواتها وتفكيك قاعدتها في التنف على الحدود مع العراق والأردن.
في حين طرح مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكية، ديفيد ساترفيلد، ورقة تتضمن انسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية إلى عمق 20-25 كلم، ونقل مقاتلي المعارضة وأسرهم إلى إدلب شمال سوريا وتسليم سلاحهم الثقيل إلى الجانب الروسي، وعودة قوات النظام إلى درعا وتمكينها من فتح معبر نصيب، وتفكيك قاعدة التنف شريطة سحب إيران ميلشياتها من المنطقة.
وبالتوازي مع المفاوضات التي أجراها ضباط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مع نظرائهم في موسكو؛ تسربت أنباء عن مفاوضات سرية رديفة جرت بين إيران وإسرائيل في الأردن، حيث نوقشت فكرة السماح لقوات النظام بإعادة السيطرة على جنوب سوريا وصولاً إلى الشريط الحدودي مع إسرائيل على أن تضمن روسيا ابتعاد قوات إيران و”حزب الله” عن المنطقة القريبة من الحدود بما فيها مرتفعات الجولان.
ودار الحديث عن اتفاق إسرائيلي-إيراني بعدم مشاركة “حزب الله” في معارك مرتقبة سيشنها النظام ضد فصائل المعارضة، في حين تقوم القوات الأردنية بحماية حدودها ومنع تسلل المقاتلين إلى أراضيها أثناء المعارك، وشرع النظام إثر ذلك في حشد وحدات من الفرقتين التاسعة والخامسة عشر لشن عملية ضد مناطق سيطرة المعارضة بهدف الوصول إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن.
في هذه الأثناء؛ أقر وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدرو ليبرمان مع نظيره الروسي سيرغي شويغو خرائط تحدد أماكن إبعاد الميلشيات التابعة لإيران وراء محور دمشق-السويداء مقابل عودة قوات النظام إلى ثلاث نقاط هي:
– تل الحارة في ريف درعا، وهي أعلى هضبة ذات بعد عسكري
– معبر نصيب على حدود الأردن
– بصر الحرير في ريف درعا
وعلى إثر ذلك؛ بادرت القوات الروسية إلى إقامة نقطة مراقبة على خط يفصل بين مناطق سيطرة الميلشيات التابعة لإيران في السويداء والمناطق المحررة في درعا يمتد من مطار الثعلة جنوباً الى كتيبة الرادار شمالاً، بين الفاصل بين محافظتى درعا والقنيطرة، وتحديداً على الطريق الواصل بين قرية صما وبلدة المليحة الشرقية، كما أخلت بعض الميلشيات مواقعها في المنطقة المتاخمة للقنيطرة وتمركز قوات روسية مكانها.
لكن سير المفاوضات تعرقل أمام مجموعة من العقد التي لم تتمكن الأطراف الدولي من حسمها، وأبرزها:
– إقناع بشار الأسد بالتخلي عن إيران في الجنوب
– تحديد عمق وآلية سحب إيران الميلشيات التابعة لها
– إقناع الولايات المتحدة بتنفيذ عملية انسحاب من التنف بالتزامن مع إعادة التموضع الإيراني.
وفيما يؤكد هيمنة الخلاف وعدم التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء؛ صرح الناطق باسم مركز المصالحة في قاعدة حميميم العسكرية الروسية، ألكسندر إيفانوف بأن: “انتهاء اتفاق خفض التصعيد في مدينة درعا جنوب البلاد سيكون حتمياً في ظل استمرار وجود متطرفين ينتمون إلى تنظيمي داعش وجبهة النصرة”.
ونشرت “قوات النمر” صوراً ومقاطع فيديو لعدد من دباباتها متجهة إلى محافظة درعا، وإلقاء مروحيات النظام السوري مناشير تنذر باقتراب عملية مرتقبة، بدأت بوادرها في أول أيام عيد الفطر (15 يونيو 2018)، وذلك في مقابل سحب الأردن سفيرها من طهران، ومطالبة واشنطن فصائل الجبهة الجنوبية عدم الانجرار إلى استفزازات متوقعة من قوات النظام أو الميليشيات الرديفة.
ووفقاً لمصادر استخباراتية مطلعة فإن نتنياهو أرسل وفداً عسكرياً-استخباراتياً رفيع المستوى إلى موسكو عقب تصريحات لافروف المستفزة، للتأكيد على أن تل أبيب في وضع تفاوضي قوي، وأن الشروط التي ستفرضها على الطاولة ليست بالبساطة التي تحدث بها وزير الخارجية الروسي؛ حيث أكد نتنياهو أن القوات الإيرانية لن يكون لها موطئ قدم على التراب السوري بأسره وليس على الحدود مع إسرائيل فقط، مؤكداً: “إذا لم يخرج الإيرانيون من سوريا فينبغي أن يتوقعوا استمرار الضربات الإسرائيلية”.
وأكد الموقف الإسرائيلي المتشدد حقيقة أن موسكو قد انزلقت إلى مستنقع المصالح المتضادة، إذ أخفقت محاولات بوتين التوصل لتفاهمات مع إدارة ترامب من جهة، وإلى صياغة معادلة تقبل بها كل من تل أبيب وطهران من جهة ثانية، كما أن رغبته في مساعدة النظام على استعادة كافة مناطق الجنوب تقف أمام إصرار طهران على تعزيز قبضتها العسكرية على سوريا، الأمر الذي يستفز تل أبيب لشن المزيد من العمليات الجوية ضد المواقع التابعة لإيران، مما يجعل مهمة صياغة معادلة يرضى بها الجميع أمراً متعذراً في الظروف الحالية.
وتؤكد التسريبات أن المفاوضات الروسية-الإسرائيلية قد توصلت إلى تفاهمات متواضعة تقوم على أساس صفقة مشروطة للمناطق الحدودية مستندةً إلى صيغة إسرائيل الأخيرة لوقف إطلاق النار في غزة، أي أن الهدوء سيقابل بالهدوء، حيث تمتنع تل أبيب عن شن الهجمات في منطقة خفض التصعيد جنوب سوريا طالما بقيت الشرطة العسكرية الروسية مسيطرةً، ولكن في حال دخول عناصر أخرى إلى تلك المناطق فستقوم القوات الإسرائيلية بقصفها.
ويأتي ذلك الاتفاق الهش في ظل أنباء عن وقوف الحرس الثوري الإيراني على أهبة الاستعداد لفتح جبهة في الجولان، في حين أرسل النظام فرقة من قوات “الغيث” التابعة للفرقة الرابعة بإشراف إيراني إلى الحدود مع الجولان “لقيادة عملية القنيطرة” بدلاً من التوجه نحو معبر نصيب كما كان متوقعاً، كما تم وضع اللوائين 39 و40 على أهبة الاستعداد لاتخاذ مواقع قتالية.
ووفقاً للمصادر نفسها؛ فإن القوات الإيرانية قد اتخذت من بلدة إزرع مقراً لها لشن عملية انتشار واسعة النطاق، الأمر الذي دفع بالقوات الأمريكية للتحذير باتخاذ “إجراءات حازمة ومناسبة” إزاء التحركات الإيرانية الأخيرة.
وتخشى واشنطن وتل أبيب من لجوء روسيا إلى القوات الإيرانية للمساعدة في إعادة سيطرة النظام على درعا، ولذلك جاء المطلب الإسرائيلي في اللحظة الأخيرة بضرورة مغادرة إيران وميليشياتها من كل التراب السوري.
وكانت فرقة من قوات “الغيث” بقيادة العقيد “غياث دلة” قد تمركزت في مدينة درعا (31 مايو 2018) برفقة رتل من المدرعات والجنود، يتقدمه سيارة ترفع العلم الروسي، وهو الرتل الثاني الذي يصل إلى المنطقة تحضيراً لحملة عسكرية قد تستهدف مدينة درعا.
وتزامنت عملية الانتشار الأخيرة مع الكشف عن تستر النظام على قوات من “حزب الله” على أنهم من مقاتليه في الفرقة الرابعة، حيث عادت قوافل عسكرية من مقاتلي الحزب والميليشيات الأخرى المدعومة من إيران إلى كل من محافظتي درعا والقنيطرة في جنوب غرب سوريا بالقرب من الجولان المحتل، مرتدين الزي العسكري لجيش النظام ورافعين أعلامه في عملية تمويه باتت مكشوفة، حيث يعمد النظام إلى منح عناصر هذه الميلشيات بطاقات هوية سورية.
واستبعدت المصادر أن تكون الميليشيات الإيرانية قد انسحبت بالفعل من مدينة درعا باتجاه “ازرع”، مرجحة أن يكون ذلك بمثابة إعادة تجميع، حيث وصلت تعزيزات عسكرية للنظام عبر الأوتوستراد الدولي، وتمركزت في مناطق انتشار الفرقة التاسعة في بلدتي الصنمين وجباب.
وجاء تمركز قوات “النمر” في الريف الشمالي من محافظة درعا بالتزامن مع انتشار ميلشيا “زينبيون” و”حزب الله” في مدينة “إزرع” للانضمام إلى تشكيلات الفرقتين الخامسة والسابعة بجيش النظام، كما تم تأكيد وصول ميليشيات “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني إلى بلدات “الهبارية” و”دير العدس” و”تلول فاطمة” في ريف درعا الشمالي، التي تحوي مقرات للحرس الثوري الإيراني.
وشملت التعزيزات سيارات نقل جنود عسكرية، بالإضافة لسيارات تحمل رشاشات ثقيلة، وتم تسليمهم الزي العسكري لقوات النظام تمهيداً للقيام بعملية واسعة النطاق.
وكرد فعل على ذلك الانتشار الإيراني غير المسبوق؛ بادرت تل أبيب (10 يونيو 2018) إلى إجراء تدريبات عسكرية، بشكل مفاجئ وغير معلن في منطقة الجولان، الأمر الذي ينذر بانهيار الدبلوماسية وترجه اندلاع المزيد من المواجهات في الأيام المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018