طهران تفسد الغزل بين دمشق وتل أبيب، والحرب الإقليمية باتت وشيكة

بعد إعطاء تل أبيب الضوء الأخضر لقوات النظام بدخول درعا مقابل ضمانات لم يتم الإعلان عنها؛ عبّرت السلطات الإسرائيلية عن شعورها بالرضا من التزام النظام بعدم اصطحاب عناصر من “حزب الله” أو الميلشيات التابعة لإيران أثناء تقدم قواته إلى معبر “نصيب” الحدودي مع الأردن.
وتعمل تل أبيب على وضع حزمة شروط جديدة يتعين على النظام الالتزام بها إذا أراد بسط سيطرته على الجولان، وتتضمن:
1- عدم دخول أية قوات إيرانية إلى المنطقة، وبقائها على بعد 40 كليومتراً عن حدود الجولان.
2- عدم تخطي قوات النظام خطوط فك الاشتباك وفق الاتفاق المبرم عام 1974.
3- تشكيل قوة روسية-إسرائيلية لطرد الفصائل من المنطقة العازلة والمناطق الحدودية المباشرة.
4- إقناع تركيا بسحب قواتها من شمالي البلاد، وإبرام اتفاقيات مصالحة مع فصائل في الشمال السوري.
ووفقاً للمصادر نفسها فإن إسرائيل تتصرف كما لو أنها الآن بصدد إعادة صياغة سياستها لتصبح “متصالحة” مع استمرار حكم الأسد، حيث أبلغت تل أبيب موسكو أنها لا تعارض سيطرة النظام على الجنوب السوري، مستفيدة من اعتماد الأسد بشدة على روسيا أكثر من اعتماده على إيران، الأمر الذي يتيح لتل أبيب فرض شروطها، والتوصل إلى اتفاق مع دمشق عبر موسكو.
وعزز ذلك التقارب رئيس الوزراء نتنياهو في رسالة وجهها من موسكو إلى دمشق قال فيها: “ليست لدينا مشكلة مع نظام الأسد فعلى مدى 40 عاما لم يتم إطلاق رصاصة واحدة من مرتفعات الجولان…لا نعارض إعادة الرئيس السوري بشار الأسد سيطرته على سوريا واستقرار قوة نظامه”.
وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أن إسرائيل لا تستبعد إقامة علاقة مع سوريا ورئيس النظام بشار الأسد، مؤكداً أن قوات الأسد ستستعيد السيطرة على الجانب السوري من الجولان، عقب بسط سيطرته على الحدود مع الأردن.
واعتبرت صحيفة “هآرتس” أن الأسد أصبح “شريكاً إستراتيجياً جديداً لإسرائيل”، مؤكدة أن تقييمات الجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية تظهر بأنهم ينظرون إلى استمرار حكم الأسد على أنه الأفضل أو حتى الحيوي لأمن إسرائيل.
وجاء الغزل الإسرائيلي بالتزامن مع حصول الموساد الإسرائيلي على ساعة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، والتي يبدو أنها سُلّمت كعربون صداقة بين البلدين، حيث أصدر نتنياهو بياناً أشاد فيه بعودة الساعة باعتبارها: “تذكاراً من مقاتل عظيم قدم الكثير لتعزيز أمن دولة إسرائيل”.
لكن طهران بادرت إلى إفساد الغزل بين دمشق وتل أبيب، حيث أكد تقرير أمني (13 يوليو) أن طهران لم تستجب لطلبات بوتين المتكررة بإخلاء المنطقة المعزولة السلاح، والتي يبلغ مجمل مساحتها نحو 235 كيلو متراً مربعاً، وذلك على الرغم من تأكيد نتنياهو أثناء لقائه مع بوتين (11 يوليو) استعداد تل أبيب لتقديم تضحية كبيرة تتمثل في القبول بعودة أسلحة النظام الإستراتيجية، وإقرار وجودها على بعد أمتار من مخزونها الإستراتيجي من المياه في بحيرة طبرية، مما يتطلب ثقة عالية بين دمشق وتل أبيب.
لكن طهران بادرت إلى إطلاق طائرة من دون طيارة في عمق الأجواء الإسرائيلية بالتزامن مع لقاء نتنياهو-بوتين لإفساد المفاوضات بينها، وأنه لا يمكن إبرام أية ترتيبات دون موافقتها، وللتأكيد على أن القوات الإيرانية باقية في سوريا.
وأشار التقرير إلى أن نتنياهو قدم قائمة بالقوات التابعة لإيران المنتشرة في القنيطرة قبل الموافقة على أية إجراءات أخرى، وتتضمن تحديد مواقع فرقة “الرضوان” التابعة لميلشيا “حزب الله”، وفرقتين من قوات الحشد الشعبي العراقي، وعناصر من فرقتي “فاطميون” و”زينبيون”، ويبلغ مجموع هذه القوات 18 ألف مقاتل، تتوجب مغادرتهم قبل أي تقدم لقوات النظام.
وأكد التقرير أن نتنياهو تحدث مع بوتين حول عدم وفاء القوات الروسية بتعهداتها عبر شن عمليات قصف جوي لمناطق حدودية قريبة، فضلاً عن توغل الميلشيات التابعة لإيران في عمق الجولان، لكن بوتين لم يُعِر تساؤلات ضيفه الكثير من الاهتمام مؤملاً الحصول على صفقة أكبر من ترامب خلال لقائهما المرتقب في هلسنكي. ولتفادي وقوع صدامات مباشرة بين القوات الإيرانية والقوات الإسرائيلية في الجولان، أمر بوتين بوقف العمليات في القنيطرة ريثما يجتمع بنظيره الأمريكي.
إلا أن الموقف يسير بصورة مغايرة لما يريده بوتين، حيث تؤكد مصادر مقربة من الموساد أن القوات الإسرائيلية قد تلقت الضوء الأخضر لشن عمليات نوعية ضد الميلشيات التابعة لإيران في حال تعنت طهران ورفضها سحب قواتها من الجولان.
فقد تلقى رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال آيزنكوت رسالة من نظيره في واشنطن الجنرال جوزيف دنفورد يؤكد فيها دعم الولايات المتحدة لعمل عسكري إسرائيلي واسع النطاق لإبعاد القوات الإيرانية ورسم خطوط التماس في القنيطرة، والتزم دنفورد بإرسال بطاريات دفاع جوي في المنطقة في حال طلبت تل أبيب ذلك.
ووفقاً للتقرير فإن واشنطن ترى أنه من غير الممكن المضي في الخطة دون شن معركة شرق أوسطية في غضون الأسابيع المقبلة، خاصة وأن موسكو لا تبدو جادة أو قادرة على كبح جماح طهران ودفعها لسحب قواتها من الجنوب السوري.
وتمثلت أول إشارة لعدم رضا واشنطن بمستوى التزام موسكو، عبر مقابلة أجراها وزير الخارجية مايك بومبيو مع سكاي نيوز (10 يوليو) أكد فيها أن موسكو خرقت العديد من بنود الاتفاقية حول المنطقة منزوعة السلاح جنوب غربي سوريا، وهي رسالة واضحة بأنه لم يعد من المقبول بالنسبة لواشنطن وتل أبيب الاكتفاء بتعهدات بويتن الشفهية والتي لا تلتزم بها قواته على الأرض.
وجاءت زيارة نتنياهو إلى موسكو كفرصة أخيرة لتجنب حرب شرق أوسطية، إلا أن طهران تبدو عازمة على إفساد أية ترتيبات تقوم موسكو بإبرامها مع واشنطن وتل أبيب بعيداً عنها. في حين تُعد تل أبيب العدة لخوض معركة شاملة في غضون الأسابيع المقبلة على ثلاث جبهات هي؛ القنيطرة وجنوب لبنان وغزة بهدف إبعاد إيران عن حدودها.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018