مشروع إرسال قوات عربية إلى سوريا يتلكأ رغم تعزيزه بقوات أوروبية

أكد تقرير أمني (11 مايو 2018) أن الرئيس ترامب لم يتخلى عن قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، لكنه سلم في الوقت الحالي بأن الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب المفاجئ سيمثل خطراً يصعب التعامل معه في ظل إعلان الولايات المتحدة تخليها عن الاتفاق النووي وتدشينها برنامجاً شاملاً لمناهضة النفوذ الإيراني في المنطقة، ولذلك فإنه أجل تنفيذ قرار الانسحاب وأوكل في هذه الأثناء إلى وزير دفاعه ماتيس وقائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط الجنرال فوتيل مهمة جمع قوات حليفة لتحل محل القوات الأمريكية في سوريا.
ومنذ نحو ثلاثة أسابيع؛ يعكف كل من ماتيس وفوتيل على حشد البدائل الغربية والعربية مدعومين بالجهود الحثيثة التي يبذلها كل من وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إلا أن فريق الصقور الأمريكي لا يزال بعيداً عن إنجاز هذه المهمة الصعبة.
كانت فرنسا أول المستجيبين، حيث بادر ماكرون، عقب زيارته لواشنطن، بإرسال نحو ألف جندي من القوات الخاصة الفرنسية للمشاركة في التحالف البديل، حيث بدأت عملية نقل الفرقة الفرنسية منذ شهر أبريل، وتم شحن عدد من عربات المشاة المدرعة “أرفيس” من صنع شركة نكستر الفرنسية المصممة للتعامل مع العبوات الناسفة والمقذوفات القوية والسريعة، بالإضافة إلى إرسال شاحنات فرنسية تحمل هوائيات اتصالات على أسطحها، كما حطت في مطلع شهر مايو الجاري مقاتلات “ميراج-2000” وسرب من مقاتلات “رافال” في قواعد بشمال سوريا والعراق.
وأشار التقرير إلى أن الوحدة الفرنسية قد تمركزت في قاعدتين جديدتين كبيرتين تم إنشاؤهما من قبل وحدات الهندسة والبناء الأمريكية بالقرب من الحسكة وخارج منبج، وتقعان بالقرب من الحدود التركية، فيما حطت معظم المقاتلات في قاعدة “رميلان” الأمريكية بمحافظة الحسكة الخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية في الشمال.
أما الوحدات البريطانية فقد بدأت في الوصول عقب زيارة قام بها وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إلى واشنطن (6 مايو 2018)، حيث بادرت المملكة المتحدة إلى إرسال مقاتلات “تايفون” للمنطقة.
ووفقاً للتقرير فإن السعودية والإمارات قد وافقتا على إرسال 1800 جندي بعد ضغوط مضنية من واشنطن، حيث تخضع هذه الفرقة المزمع إراسلها لتدريبات من قبل ضباط في القوات الخاصة الأمريكية خدموا في شرق وشمال سوريا وعلى دراية كبيرة بتلك المناطق، إلا أن عملية تجهيز وإرسال القوات العربية تسير ببطء شديد نظراً لانخراط السعودية والإمارات بالحرب في اليمن وفي عمليات تأمين البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب في بلديهما، وسيكون من الصعب في الوقت الحالي ممارسة مزيد من الضغط عليهما ليلتزما بإرسال المزيد من القوات إلى سوريا.
ويمثل إرسال قوات عربية إلى الأراضي السورية تحدياً كبيراً نظراً لرفض رئيس الوزراء حيدر العبادي إرسال هذه القوات عن طريق بلاده، كما واجه وزير الخارجية الأمريكي بومبيو مشكلة في إقناع ملك الأردن بهذا المشروع أثناء زيارته لعمان في الأسبوع الأخير من شهر أبريل الماضي، حيث عبر الملك عبدالله الثاني عن قلقه من مغبة قيام قوات متعددة الجنسيات بدخول سوريا من جهة الأردن، ورفض -وفقاً للتقرير- نقل قوات سعودية وإماراتية إلى الجنوب السوري عبر الحدود الأردنية-السورية، متعللاً بخشيته من ردود الفعل الانتقامية التي يمكن أن تصدر من قبل النظام والقوات الإيرانية المرابطة على مقربة من حدود بلاده.
وأشار التقرير إلى أن جون بولتون واجه رفضاً مماثلاً حينما طلب من الرئيس المصري السيسي مشاركة جنود من بلاده في القوة التي سيتم إرسالها إلى سوريا.
ولا تقف التحديات التي يواجهها مشروع واشنطن عند تعنت الموقف الرسمي العربي، بل تظهر مشكلة أخرى متمثلة في الخلافات العشائرية والفصائلية شرقي الفرات، حيث شهدت الأسابيع الماضية هجمات من قبل “قوات سوريا الديمقراطية”، التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية عمادها الرئيس على مواقع و”قوات النخبة العربية” التابعة لـ”تيار الغد السوري”، برئاسة أحمد الجربا، بريف دير الزور بسبب رفض الأخيرة تسليم سلاحها في المنطقة، مما دفع بالمبعوث الرئاسي الأميركي إلى التحالف الدولي، بريت ماغورك إلى التدخل بصورة مباشرة لوقف الاقتتال.
وتواجه الولايات المتحدة مشكلة مستعصية في ملء الفراغ الناتج عن انحسار تنظيم داعش شرقي الفرت، حيث تمثل التعقيدات العرقية والعشائرية والسياسية معضلة كبيرة في تلك المنطقة،حيث طلبت واشنطن من حلفائها العمل معاً للقضاء على “داعش”، وبادرت إلى تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين “قوات سوريا الديمقراطية” والقوات العربية، تمهيداً لسحب ألفي مقاتل أميركي من شرق نهر الفرات، والشروع في إرسال نحو ألفي مقاتل من الدول العربية، لكن الصراعات التي اندلعت بصورة مفاجئة بين القوى الحليفة لواشنطن قد عرقلت سير الخطة.
ووفقاً لمصادر مطلعة فإن الولايات المتحدة كانت ترغب في نشر قوات مصرية قوامها 10 آلاف مقاتل ضمن ترتيبات وتفاهمات أمريكية-روسية، الأمر الذي يفسر اندلاع الصراع المكشوف بين قوات “قسد” وبين قوات الجربا الذي يقيم في القاهرة ويحظى بدعم الحكومة المصرية، وهو أمر لا ترغب به وحدات حماية الشعب الكردية التي ترغب في الإبقاء على الهيمنة الكردية على المنطقة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018