التنافس الروسي-التركي يضاعف حدة الأزمات الإقليمية المشتعلة

نفذت القوات الروسية في الأسابيع الماضية عملية إعادة انتشار واسعة النطاق في ريفي الرقة ودير الزور، وذلك بالتزامن مع لقاء قائد الجيش الروسي في سوريا، أليكساندر تشايكو، مع مظلوم عبدي قائد “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) لمناقشة بعض التعقيدات المتعلقة بعملية إعادة الانتشار الروسي شمال البلاد، وخاصة في ريف الرقة التي انتشر فيها عناصر الفرقة (25) بالقرب من بلدة “عين عيسى” الخاضعة لسيطرة “قسد” بريف الرقة.
وسبق ذلك الانتشار؛ إرسال القوات الروسية ثلاثة أرتال عسكرية إلى شمال شرق سوريا، اثنان منها معززان بنحو 60 آلية عسكرية توجّها إلى الرقة، والثالث تمركز في محافظة دير الزور ويضم 30 آلية عسكرية أخرى.
أما في الشمال الغربي؛ فقد اندلعت مواجهات بين فصائل الجبهة الوطنية بمساندة الجيش التركي من جهة، وبين قوات النظام السوري والقوات الخاصة الروسية والميليشيات الداعمة لها من جهة أخرى، وذلك في محاولة تقدم نفذتها قوات النظام بريف إدلب، وترافقت مع اشتباكات وقصف عنيف.
وعلى الرغم من التفاهم المبرم بين موسكو وأنقرة (مارس 2020)؛ فقد قادت القوات الخاصة الروسية عملية الاقتحام التي تمت في منطقة “خفض التصعيد الرابعة”، ما دفع بالقوات التركية لقصف قوات النظام جنوب سراقب.
وتستمر القوات التركية والروسية في حشد المزيد من قواتها لمساندة طرفي الصراع في الساحة الليبية، حيث أكد تقرير نشره موقع “إنتلجنس أون لاين” (8 يوليو 2020) تسيير عدة رحلات من دمشق إلى ليبيا، بالإضافة إلى إقلاع رحلات بين حميم ومناطق سيطرة حفتر عبر خطوط “أجنحة الشام”، بالتزامن مع نشر تسريبات حول تجنيد النظام مئات الشباب من محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة وحمص وطرطوس واللاذقية، تمهيداً لنقلهم إلى ليبيا والقتال هناك كمرتزقة إلى جانب قوات حفتر، وذلك بتنسيق بين شركات أمنية سورية وروسية، تعمل على إرسال مئات من قوات النظام إلى ليبيا، مستغلة حالة الفقر وتردي الوضع الاقتصادي في سوريا.
ومن أبرز الشركات التي تنشط في عمليات التجنيد تلك؛ شركة “الصياد” لخدمات الحراسة والحماية، ويشرف عليها شخص يدعى فواز ميخائيل جرجس، والذي يعتبر أحد أبرز المسؤولين عن تجنيد المرتزقة في سوريا وإرسالهم إلى ليبيا، بالتعاون مع شركة “فاغنر” الروسية.
كما تعمل القوات الروسية على تعزيز نفوذها في الشمال السوري من خلال المساعدات “الإنسانية” التي تقدمها للمدنيين، حيث تُتهم “لجنة دعم سوريا المؤقتة” الروسية بالقيام بعمليات إغاثية تخدم أهدافاً سياسية، إذ من بين 290 مهمة نفذتها خلال ستة أشهر، كانت 223 منها في محافظتي الرقة والحسكة بالإضافة إلى منطقة عين العرب في حلب.
وفي مقابل سياسة الانتشار الروسية المثيرة للجدل؛ يعمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خطة انتشار أكبر طموحاً من نظيره بوتين، حيث أشار تقرير نشره موقع “إنتلجنس أون لاين (14 يوليو 2020) إلى دخول جمهورية الجبل الأسود في صلب تركيز تركيا مضيفاً بؤرة نزاع أخرى مع موسكو في البلقان، حيث تستضيف عاصمة الجبل الأسود، بودغوريكا، عدداً من القوميين الأتراك المدعومين من قبل موسكو.
وبالإضافة إلى التنافس الروسي-التركي في ليبيا، تحدث تقرير أمني (14 يونيو 2020) عن سعي أردوغان لجذب الجزائر إلى صفه، وكسب موطء قدم فيها، حيث تحاول تركيا دفع الجزائر لتوقيع اتفاقية دفاعية مع حكومة الوفاق بعد سيطرتها على قاعدة “الوطية” الجوية، وفرار نحو 1500 مرتزق روسي من القاعدة في 12 يونيو الماضي، بعد أن دمرت قوات الوفاق -بمساعدة تركية- منظومات الدفاع الجوية الروسية بما في ذلك منظومات “بانتسيير”.
ووفقاً للتقرير فإن أردوغان يرى فرصة سانحة مع وجود الرئيس الجزائري الجديد عبدالمجيد تبون المنفتح إزاء تغيير سياسة سلفه بوتفليقة في عدم التدخل الخارجي، حيث سمحت المادة (95) من مشروع قانون الإصلاح الدستوري الجديد الذي قدمه تبون في وقت سابق من شهر يونيو للجيش الجزائري بالتدخل لأول مرة خارج حدود بلده. وإذا نجح أردوغان في جذب الجزائر إلى حكومة الوفاق؛ فسيكون قادراً على تحويل ميزان القوى لصالحه في منطقة واسعة ومتقلبة، فمكاسبه العسكرية في ليبيا تجعله في موقع يؤثر على أمن جيران ليبيا وعلى التحكم في حركة الملاحة بالبحر المتوسط، والاستفادة من مشاريع النفط والغاز البحرية مع تلك الدول.
وفي سوريا؛ عززت أنقرة قبضتها الاقتصادية على الشمال السوري من خلال لجوء الحكومة المؤقتة و”حكومة الإنقاذ” التابعة لهيئة تحرير الشام إلى فرض الليرة التركية في التعاملات المالية في ظل تهاوي قيمة الليرة السورية ودخول “قانون قيصر” حيز التنفيذ (17 يونيو)، وذلك بالتزامن مع إعلان السلطات المحلية في بعض مناطق الشمال السوري ضرورة فتح حساب بنكي في مؤسسة البريد والشحن التركية (PTT) لاستلام ثمن موسم القمح والشعير بعد التسويق.
وكانت مؤسسة البريد والشحن التركية قد افتتحت في العام الماضي عدة مراكز لها في ريف حلب الشمالي وبلدات عفرين واعزاز ومارع والباب والراعي وجرابلس في ريف حلب الشرقي، ويضطر الأهالي المحليون إلى إجراء الحوالات المالية عبر تلك المراكز، وصرف السلطات المحلية رواتب الموظفين من خلال بطاقات تصدرها تلك المراكز.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019