الشمال السوري: استعصاء الدبلوماسية يدفع باتجاه التصعيد العسكري

انتهى الاجتماع الثاني لمجموعة العمل التركية-الأمريكية، مطلع مارس الجاري، حول تنسيق انسحاب القوات الأمريكية من الشمال السوري دون تحقيق أية نتائج تذكر، وذلك بالتزامن مع كشف موسكو نيتها الدفاع عن بلدة “منبج” ضد تركيا في حال انسحاب القوات الأمريكية منها، وذلك بموجب اتفاق أمريكي-روسي لم يتم الإعلان عنه، حيث أكد القادة الروس لمجلس منبج العسكري أنهم سينشرون قواتهم على طول الحدود الفاصلة، وسيأخذون المواقع الأمريكية فور إخلائها، خاصة وأنه لا يفصل بين القوات الأمريكية المنتشرة خارج منبج والروسية في منطقة “أريما” سوى نصف كليو متر، ويمكنهم التقدم بسهولة دون أي اعتراض من أطراف الصراع.
ويأتي التعهد الروسي كإجراء احترازي لردع أنقرة التي تحشد قواتها على الحدود التركية-السورية وتلوّح بالتدخل العسكري ضد مجلس منبج العسكري بسبب تحالفه مع “وحدات حماية الشعب الكردي”، معتبرة أن استمرار وجودها يعد انتهاكاً لالتزامات الولايات المتحدة بضمان انسحاب كامل الوحدات الكردية.
ويتزامن الاستعصاء الدبلوماسي في الشمال السوري مع حراك عسكري مكثف على مختلف الجبهات؛ حيث أعادت وزارة الدفاع الأمريكية تحويل أسلحة ومركبات بملايين الدولارات من العراق إلى سوريا، مؤكدة قيامها بتحويل مجموعة من الإمدادات التي اشتراها البنتاغون للجيش العراقي إلى “قوات سوريا الديمقراطية”، التي يهيمن عليها الأكراد.
ويشمل المخزون من المعدات ما يقرب من 50 عربة همفي و20 مركبة مضادة للألغام و40 ناقلة معززة للأسلحة ونحو 700 سلاح خفيف مضاد للدبابات، بالإضافة إلى نحو 2400 قذيفة هاون و25 مدرعة ألغام وعشرات العربات التي تستخدم لتدمير الألغام والمتفجرات الأخرى.
وأكد المتحدث باسم البنتاغون، شون روبرتسون، أن المعدات التي يتم إرسالها إلى “قسد” تهدف إلى تمكينهم من: “الاستخدام الفعال والكفء للتمويل الذي يوفره الكونجرس للتجهيزات والتدريب”.
وفي مقابل التعزيزات الأمريكية لقوات “قسد”؛ تشهد قاعدة “حميميم” الجوية الروسية حركة مكثفة تتضمن إعادة نشر روسيا لطائرات “سوخوي-25” للمرة الأولى منذ شهر يوليو 2018، وذلك بالتزامن مع تشييد القوات الروسية بنية تحتية متكاملة للصيانة، بما في ذلك ورش للفك والتجميع، مما يعني أن القوات الروسية تستعد لتقديم دعم فني وثيق لقوات النظام في المرحلة المقبلة، وذلك بهدف تمكينها من الاستيلاء على المناطق الشمالية من البلاد، حيث تعمل القوات الروسية على تعزيز القدرات القتالية للفيلق الخامس الذي تم نشره في مواجهة فصائل المعارضة في إدلب وأرياف اللاذقية وحماة وحلب.
ويسود الاعتقاد أن القوات الروسية تتأهب لشن عمليات واسعة النطاق في إدلب ومحيطها ضد “هيئة تحرير الشام”، حيث ارتفع عدد الطائرات الحربية الروسية في قاعدة “حميميم” من 30 إلى 50 طائرة من طراز “سوخوي 25″، و”سوخوي 24″، و”سوخوي 30″، و”سوخوي 34″، و”سوخوي 35″، و”ميغ 29″، بالإضافة إلى طائرتي حرب إلكترونية من طراز “إليوشن 20” وطائرتي نقل من طراز “أنتونوف 26” و”أنتونوف 70″، وطائرتي قيادة جوية من طراز “إليوشنa-50y”، وعدد غير ثابت من طائرات الشحن “إليوشن 76″، و”أنتونوف 124”.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المروحيات الروسية من كافة الأصناف قد بلغ نحو 44 مروحية بعد أن كان العدد أقل من 30 مروحية في نهاية العام الماضي، كما تم تزويد القاعدة بكميات كبيرة من الحاويات المحملة بالذخائر الجوية التي وصلت عبر السفن وطائرات الشحن الروسية العملاقة بشكل متتالٍ خلال الأيام الماضية.
في هذه الأثناء؛ تبذل الدبلوماسية التركية أقصى جهدها للمحافظة على اتفاق خفض التوتر بإدلب، وذلك في ظل التصعيد الجديد للنظام وحلفائه الروس، حيث عمدت القوات التركية إلى تسيير دوريات في المنطقة منزوعة السلاح، بالتوازي مع دوريات للقوات الروسية في محيطها، وشددت على ضرورة كبح انتهاكات النظام لوقف إطلاق النار، إلا أن النظام وحلفاءه الإيرانيون يعملون على تأزيم الموقف عبر القصف الجوي والمدفعي لإدلب وريفها، مستهدفين المراكز الخدمية والطبية، ومنظومة الدفاع المدني، والمناطق الآهلة بالسكان ما أدى إلى سقوط أكثر من 400 قتيل، ونزوح نحو 15 ألف عائلة.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019