تعثر التحضيرات الأمريكية لمرحلة ما بعد الانسحاب

تبدو القوات الأمريكية عازمة على البدء في سحب قواتها من سوريا مع نهاية شهر أبريل، بغض النظر عن مدى نجاح المفاوضات التي يجريها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا السفير جيمس جيفري مع تركيا و”قوات سوريا الديمقراطية”، حيث يتم وضع خطط الانسحاب الأمريكي في معزل عن مشروع “المنطقة الآمنة” الذي يسعى جيفري إلى تحقيقه، وتناهضه كل من موسكو وطهران.
وتأمل الإدارة الأمريكية بأن تساعد عملية الانسحاب على التسريع من وتيرة الجهود الدبلوماسية غير الأمريكية لملء الفراغ، إلا أن أنقرة ترفض التعامل مع “وحدات حماية الشعب” الكردية التي تعتبرها الفرع السوري لحزب “العمال الكردستاني”، في حين ترفض الوحدات الكردية مشاركة تركيا في إنشاء منطقة آمنة، وتعرض بدلاً من ذلك نزع سلاحها على طول الحدود، وإدخال قوات محلية مقبولة لتأمين المنطقة، بما في ذلك القوات الفرنسية والبريطانية، المنتشرة حالياً في البلاد لدعم العمليات القتالية الأمريكية.
وفي ظل الإخفاق الدبلوماسي حتى الآن؛ تحاول أنقرة إقناع روسيا بمنع تشكيل ملاذ آمن لوحدات حماية الشعب الكردية، وتأمين عودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى المناطق التي تسيطر عليها أنقرة في شمال سوريا.
وفي حال فشل المفاوضات مع واشنطن؛ تحضر أنقرة بدائلها عبر التفاهم مع روسيا لإنشاء منطقة آمنة وفق “اتفاق أضنة”، وهو بروتوكول وقعته تركيا مع النظام السوري عام 1998، وتم تحديثه بعد ذلك في 2010، حيث تحتفظ أنقرة، في ملحق منفصل، بحق استخدام القوة العسكرية لمسافة تصل إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية.
ويبدو أن إعلان ترامب -قبل التشاور مع أي شخص في حكومته- قد حرم الدبلوماسيين الأمريكيين من النفوذ اللازم لرعاية مفاوضات ناجعة، ومنح روسيا الكلمة الفصل في الملف السوري، الأمر الذي دفع تل أبيب للضغط على واشنطن لإبطاء عملية الانسحاب والإبقاء على قوة فاعلة في قاعدة “التنف” بهدف مواجهة خطط التمدد الإيراني.
ويرى مسؤولون إسرائيليون وأمريكان أن استمرار الوجود الأمريكي في “التنف” ضروري لقطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى لبنان، بالإضافة إلى ضرورة إبقاء “منطقة فض الاشتباك ومنع التصادم” على مسافة 55 كلم، بما في ذلك جزء من الطريق الإستراتيجي بين دمشق وبغداد.
ووفقاً لمصادر مطلعة فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يبذل قصارى جهده لإقناع ترامب بإبقاء قواته في “التنف” معتبراً أن مجرد وجود القوات الأمريكية سيكون بمثابة رادع لإيران، يؤيده في ذلك “صقور” الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي، جون بولتون، الذي يعارض الانسحاب الأمريكي السريع.
وتحاول الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي ملء الفراغ من خلال الضغط على حلفائها في أوروبا لإرسال قوات عسكرية إلى سوريا، بهدف إنشاء منطقة آمنة على الحدود بين سوريا وتركيا، حيث أبدى الرئيس الأمريكي استعداده لإبقاء بعض القوات الأمريكية في سوريا في حال وافقت الدول الأوربية نشر قوات عسكرية لها هناك.
ويعمل مسؤولون في البنتاغون على الخطوط العريضة لتنفيذ المنطقة الآمنة في سوريا، حتى قبل أن يتلقوا أي التزام من شركائهم الأوربيين، حيث تقتضي الخطة بنشر 1,500 عسكري أوربي، في حين يتعهد ترامب بالإبقاء على نحو 200 مقاتل أمريكي في شمال شرق سوريا لتقديم الدعم الاستخباراتي وعمليات القيادة والسيطرة، وبهذه الطريقة تحافظ الولايات المتحدة على بعض النفوذ في شمال شرق سوريا وتخفف من تبعات القرار المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من المنطقة.
وتزامنت تلك الترتيبات مع إجراء القوات الإسرائيلية والأمريكية تدريبات عسكرية غير تقليدية تقوم على فرضية أن تشن إسرائيل حرباً ما في المنطقة، فيما تسارع الولايات المتحدة إلى نجدتها، حيث هدفت المناورات التي أُطلق عليها اسم (Juniper Falcon 2019) إلى اختبار مدى جاهزية العمل خلال وقت قصير لا يتجاوز أياما قليلة، والدفاع عن إسرائيل من خلال حاملات طائرات عن بعد.
واستندت التدريبات على سيناريو شن إسرائيل هجوماً على سوريا أو لبنان يتطور إلى ردود فعل تتمثل بإطلاق رشقات صاروخية على إسرائيل، في حين يضطر الجيش الأمريكي للدفاع عن أجوائها، وذلك بالتزامن مع تنامي وتيرة المعلومات الأمنية والتقديرات الاستخبارية القائلة بأن الدفاع عن أجواء الدولة من هذه الهجمات باتت أكثر تعقيداً.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019