على إثر سقوط طائرة (IL-20)؛ هل تندلع مواجهات أمريكية-روسية؟

بلغ التوتر بين القوات المحتشدة شرقي المتوسط ذروته ليلة 18 سبتمبر عندما أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أن قاعدة “حميميم” الجوية في سوريا فقدت الاتصال مع طائرة استطلاع روسية تحمل 15 عسكرياً، وذلك بالتزامن مع مهاجمة أربع طائرات “إف 16” موقعاً بمدينة اللاذقية، وتسجيل الرادارات الروسية إطلاق صواريخ من الفرقاطة الفرنسية “أوفيرن” الناشطة في شرقي المتوسط”، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة وفرنسا للتأكيد أنهم لم يشاركوا في عمليات القصف.
وبدا الموقف الروسي مرتبكاً للغاية؛ عندما اتهمت القيادة العسكرية الروسية فرنسا بإسقاط طائرتها في البداية، ثم حملت “إسرائيل” المسؤولية، ثم اضطرت بعد ذلك للاعتراف بأن سلاحاً روسياً -زودوه للنظام- أدى إلى إسقاط طائرتهم ومقتل جنود روس.
وبعد إعلان القوات الروسية أن التصرفات الاستفزازية “لإسرائيل” عمل عدواني، وتأكيدها على الاحتفاظ بحق الرد؛ بادر الكرملين إلى تهدئة خطاب العسكريين، حيث أكد بوتين في مؤتمر صحفي إن “إسرائيل” لم تسقط الطائرة، معتبراً أن الحادثة كانت نتيجة: “سلسلة من الظروف المأساوية”.
وكان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قد حذر في وقت سابق من إمكانية توجيه الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد مواقع للنظام في حمص وحماة ومحيط إدلب، وذلك على خلفية شروع القوات الأمريكية في إنشاء قاعدة جوية بمدينة الشدادي في محافظة الحسكة، يُعتقد أنها ستنافس قاعدة حميميم، واتخاذ المدمرة الأمريكية “يو أس أس سوليفان” وقاذفة القنابل البحرية الإستراتيجية “بي1-بي”، والسفينتين الحربيتين “يو إس إن إس كارسون سيتي”(T-EPF-7) ، و”سان أنطونيو”؛ مواقع هجومية في البحر المتوسط والخليج العربي، وذلك في ظل الحديث عن توجه أمريكي لإحياء التحالف الثلاثي (الفرنسي-البريطاني-الأمريكي) لتوجيه ضربة ثلاثية جديدة ضد النظام وحلفائه الإيرانيين.
ويرى محللون عسكريون أن الغرض من الحشود الأمريكية أكبر من مجرد ردع النظام؛ بل يبدو من حجم القوات وانتشارها أن الولايات المتحدة وحلفاؤها يستعدون لمواجهات ساخنة، وذلك في ظل تصعيد القصف الإسرائيلي لمواقع إيرانية في سوريا وتلويحها بعمل عسكري واسع النطاق.
وأكدت وزارة الدفاع الروسية تلك المخاوف، مشيرة في بيان لها أنها لا تستبعد قيام واشنطن بتوجيه ضربة جديدة ضد سوريا بالنظر للاستعدادات الأمريكية في الشرق الأوسط، وبادرت إلى نشر أكبر قوة مهام روسية بحرية في المتوسط منذ خمس سنوات، وإجراء مناورات في البحر المتوسط بمشاركة 25 سفينة حربية و30 طائرة.
ويرى محللون أن كثافة الحشد البحري الروسي في منطقة محدودة على الشاطئ السوري هو أمر خطير للغاية، خاصة وأن الهدف منه هو تشكيل حاجز أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية والفرنسية التي تتخذ مواقع هجومية قبالة السواحل السورية.
ففي 16 سبتمبر الجاري؛ اقتربت مجموعة من السفن الحربية من الحدود السورية البحرية، وعلى رأسها: فرقاطة “دي رويتر” التابعة للبحرية الهولندية، والمدمرات الأمريكية “كارني” و”روس” و”ونستون تشرشل” المزودة بصواريخ من نوع “توماهوك”، وغواصة “تاينت” النووية البريطانية المزودة بصواريخ “توماهوك”، وثلاث غواصات نووية أمريكية، إضافةً لسفينة “ماونت ويتني” القيادية التابعة للأسطول السادس الأمريكي.
وفقاً لتقرير أمني (15 سبتمبر 2018) فإن حرباً كلامية واستخباراتية تدور رحاها في سوريا بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث أشعر الروس القوات الأمريكية خطياً (6 سبتمبر) بأنهم سينفذون ضربات دقيقة ضد “الإرهابيين في التنف” التي تعتبر منطقة “عدم تصادم”، مما دفع بالقيادة العسكرية الأمريكية للتأكيد على أنها لن تتردد في: “استخدام القوة للدفاع عن قواتنا وعن قوات التحالف أو قوات شركائنا كما برهنا على ذلك في حوادث سابقة”، كما أكد الجنرال جوزيف دنفورد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة (9 سبتمبر) أن: “إرسال قوات مشاة البحرية للقيام بمناورات بالذخيرة الحية يعتبر رسالة لكل من يعتقد أن قاعدة التنف هدف سهل”.
وتشعر القوات الأمريكية بالتهديد من مراقبة الاستخبارات العسكرية الروسية والإيرانية لتحركاتها في منطقة التنف، حيث قامت القوات الأمريكية بإرسال قافلة من عشر شاحنات محملة بمعدات عسكرية ولوجستية، من التنف إلى السوسة (قاعدة قوات سوريا الديمقراطية بالقرب من البوكمال)، كما أرسلت قافلة أخرى تضم مائة شاحنة محملة بالمعدات العسكرية من معبر سيمالكا إلى موقع غير محدد تابع لقوات “قسد”.
في هذه الأثناء تبدي مصادر روسية قلقها من تسريبات تتحدث عن: “قيام البنتاغون بتطوير سيناريوهات عسكرية في سوريا، لكن ترامب لم يقرر بعد ما الذي بالضبط سيكون سبباً وراء الرد العسكري، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم القوات العسكرية الروسية أو الإيرانية التي تساعد الأسد في سوريا”.
وفي تعليقه على زيادة الولايات المتحدة وبريطانيا قواتهما البرية في قاعدة التنف ومحيطها؛ أعلن نائب رئيس لجنة مجلس الاتحاد الروسي للشؤون الخارجية، فلاديمير جباروف، أن الولايات المتحدة تحاول من هذه الخطوات إثارة نزاع عسكري مع روسيا، مؤكداً: “اتخذنا جميع التدابير اللازمة لتجنب التصادم، ولكن للأسف، الأمريكيون بكل هذه الخطوات يحاولون إثارة نوع من الصراع العسكري بين البلدين، وبالطبع، إذا كان هناك حتى ولو تهديد صغير على جنودنا، فإن روسيا ستكون أيضا مستعدة للرد”.
وتشير الحرب الكلامية والاستخباراتية إلى تصاعد التوتر العسكري بين القوتين العظميين مع التركيز الشديد على القواعد الأمريكية شرق نهر الفرات، وهو المكان الذي اختارته موسكو لمشاغلة الولايات المتحدة، ومن الواضح أن كلا الطرفين يستعدان للمواجهة، وكذلك الحال بالنسبة لإيران وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الذين تقف قواتهم في حالة تأهب قصوى خشية وقوع اقتتال بين المعسكرين المتنافسين في سوريا.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2018