واشنطن تحبط خطة روسية-مصرية لإعادة الأسد إلى الجامعة العربية

أكد تقرير أمني (12 أبريل 2019) أن الإدارة الأمريكية أحبطت محاولات بذلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي لتأهيل بشار الأسد وإعادة نظامه إلى جامعة الدول العربية في اجتماعها الأخير بتونس (31 مارس 2019).
ووفقاً للتقرير؛ فإن دولة الإمارات العربية المتحدة أيدت مشروع بيان صاغته القاهرة بالتعاون مع موسكو يرحب بإنهاء الحرب في سوريا ويدعو الأسد لاستعادة مقعده في الجامعة، في حين كانت طائرة روسية خاصة تنتظر بمطار دمشق الدولي لنقل بشار الأسد إلى تونس فور إقرار تلك المسودة بضغط روسي-مصري على الحضور.
وفي هذه الأثناء وضع الرئيس المصري كافة الترتيبات اللازمة لعودة نظام دمشق إلى كامل نشاطه في مؤسسات الجامعة العربية التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، وهو ما يعتبر خطوة نحو إعادة تأهيله على المستوى الدولي.
إلا أن التدخل السريع من قبل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد أفسد تلك الترتيبات عبر إقناع الرياض بمعارضة المسعى الروسي-المصري، كما تم إقناع عدد من القادة العرب -عبر الدبلوماسية الخلفية- بعدم حضور القمة بهدف تعطيل القرار، ونجحت المناورة الأمريكية، حيث رفضت الرياض إقرار المادة التي رغبت موسكو والقاهرة بإضافتها، في حين لم يحضر من الزعماء العرب سوى 13 من أصل 22 زعيماً، وبذلك لم يكتمل النصاب الذي يمكن بموجبه تمرير قرار بهذا الشأن، ومثل ذلك إحباطاً لبشار الأسد الذي كان ينتظر دخول الفاتحين إلى تونس والجلوس إلى جانب الزعماء العرب بعد انقطاع طويل.
ونتج عن فشل الخطة الروسية-المصرية انهيار مشروع تبنته موسكو خلال الأشهر الستة الماضية، ويقضي بإعادة نحو 8 ملايين لاجئ سوري، حيث أشرف بوتين شخصياً على إعداد الخطة التي تضمنت دعماً خليجياً لإعادة 1,7 مليون لاجئ سوري إلى ديارهم في السنة الأولى من المصالحة العربية-السورية، التي كان من المفترض إبرامها في تونس.
ودفعت تلك التطورات ببشار الأسد للمزيد من الانحياز باتجاه إيران، ونبذه للخطة الروسية، إذ إنه لا يبدو راغباً في الوقت الحالي بتحمل الأعباء الأمنية والاقتصادية لعودة نحو مليوني لاجئ عام 2019، خاصة وأن هؤلاء اللاجئين قد أمضو نحو 6 إلى 8 سنوات في الخارج، وتعرضوا لتأثيرات خارجية ولن يكون بمقدور أجهزته الأمنية ضمان ولائهم للنظام.
وأكد التقرير أن الإدارة الأمريكية أوصلت رسالة عاجلة إلى الكرملين تفيد بأن مبلغ العشرة مليارات دولار التي تم جمعها لإعادة إعمار سوريا لن تصل ليد بشار الأسد أو لخزينة النظام السوري، بل سيتم إنفاقها على إعادة توطين اللاجئين السوريين في البلدان المضيفة لهم، وأنها لن تقبل بوصول دولار واحد إلى دمشق، الأمر الذي أحبط بوتين ونسف مخططه للحصول على تمويل خارجي لإعادة تأهيل البنى التحتية الاقتصادية والتوظيفية والمدنية في سوريا.
في هذه الأثناء تعمد واشنطن إلى إحكام الحصار على دمشق وطهران، وذلك من خلال تحذير “قسد” من بيع نفط الآبار الخاضعة لها أو محاولة نقل شحنات النفط الإيرانية إلى دمشق عبر نهر الفرات، الأمر الذي فاقم أزمة المحروقات الخانقة في مناطق النظام وأسهم في رفع أسعار المواد الأساسية بسبب توقف المصانع عن العمل.
ويأتي التحذير الأمريكي عقب رصد محاولات -تدعمها أطراف عربية- من قبل عناصر “قسد” لتزويد النظام بالمحروقات عبر أنابيب موصلة بين ضفتي نهر الفرات، ومن خلال قوافل شاحنات تتنقل بين المنطقتين، حيث تم تسريب مقاطع مصورة (31 مارس) تظهر تهريب النفط الخام عبر أنابيب تمتد بين ضفتي النهر: الشرقية الخاضعة لحماية العشائر وبعض عناصر “قسد”، والغربية الخاضعة لحماية عناصر أمن النظام وقوات من الفرقة الرابعة.
كما وثق مراسل (بي بي سي) خروج نحو 200 شاحنة (6 أبريل) من مدينة الطبقة بالرقة، والخاضعة لسيطرة “قسد” إلى مناطق سيطرة النظام محملة بالمازوت.
ودفعت تلك التسريبات بواشنطن لتحذير أية جهة تسهم في تزويد النظام بالمحروقات، حيث أصدر مكتب الشؤون العامة لوزارة الخزانة الأمريكية بياناً يحذر مجتمع شحن البترول البحري من مغبة تزويد النظام بالمحروقات، ويبيّن المخاطر المرتبطة بتسهيل شحنات النفط المتجهة إلى الموانئ التي يملكها ويديرها النظام السوري، وتشمل النفط من أصل إيراني.
وأضاف التحذير -الذي أورده البيان الأمريكي- العشرات من الناقلات الجديدة المشاركة في شحنات النفط غير المشروعة، بما في ذلك 16 ناقلة تشحن النفط إلى سوريا وأكثر من 30 تشارك في عمليات النقل من سفينة إلى سفينة.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات من ضمنها شركة “القاطرجي” النفطية في سوريا، متهمة إياها بلعب دور الوسيط بين النظام وتنظيم “داعش” خلال الفترة الماضية، عبر تسهيلها نقل شحنات نفطية بين الطرفين، بالإضافة إلى تزويد النظام بالفيول وشحنات أسلحة وتقديم الدعم المالي.
ووفقاً لمصادر مطلعة فإن الإجراءات الأمريكية تهدف إلى عرقلة طموحات بوتين بإنشاء إمبراطورية نفطية روسية تمتد من العراق وسوريا إلى الموانئ اللبنانية، حيث ترغب واشنطن في المحافظة على المكانة التي تبوأتها عام 2018 كأكبر منتج للنفط الخام في العالم متجاوزة روسيا والسعودية، حيث ارتفع إنتاجها النفطي عام 2018 إلى 10,7 مليون برميل يومياً، ولا زالت مستمرة في زيادة معدلاتها من جهة، وفي منع صناعة النفط الروسية من امتلاك معدات الحفر العميق، في المناطق المغطاة بالجليد كسيبيريا، والتي تعتبر الولايات المتحدة المصدر الوحيد لتوريدها عبر العقوبات المفروضة على موسكو من جهة ثانية.
في هذه الأثناء تعمل موسكو مع القاهرة على إنشاء محور شرقي المتوسط يضم قبرص واليونان، بالإضافة إلى ليبيا في حال نجاح حملة حفتر للاستيلاء على طرابلس بدعم مصري.
ويعتقد بوتين أن هنالك فرصة حقيقية لكسر الاحتكار الأمريكي من خلال استغلال الظروف المتردية في الشرق الأوسط لتأمين أسواق جديدة ومد أوروبا، “المترددة” في مواقفها، بالنفط والغاز الروسي.

جميع الحقوق محفوظة - المرصد الاستراتيجي © 2019